د. الخضر عبدالله:
من العجائب والطرائف التي تدعو إلى التأمل في أحوال الناس، ما نشاهده يوميًا عند أبواب المساجد، حيث تتكرر مشاهد مألوفة دون أن نتوقف عند معانيها العميقة. فالمصلون في بلادنا يتوضؤون في أيام البرد القارس، فيغسلون أطرافهم بماءٍ بارد، ويتحملون المشقة طلبًا للأجر. ثم يقطعون المسافات الطويلة حتى يصلوا إلى المساجد، وينتظرون ما يقارب عشرين دقيقة حتى تقام الصلاة، ليقفوا بعدها خاشعين بين يدي الله، مستغرقين في الصلاة ما يقارب ربع ساعة أو أكثر.
ولا يقف التزام هؤلاء المصلين عند حدود الصلاة فحسب، بل يصومون رمضان، ويؤدون العمرة والحج، ويجتهدون في أعمال البر والطاعات، طمعًا في رضوان الله ومغفرته. كل ذلك يدل على حرص ظاهر على العبادة، واستعداد لتحمل المشقة في سبيلها.
لكن العجيب، وربما المثير للدهشة، ما يحدث بعد أن تنتهي الصلاة ويخرج المصلون من المسجد. إذ يقف المتسولون عند الأبواب، يمدون أيديهم، ويتلون الأدعية، فيبادر كثير من المصلين إلى التصدق عليهم. بل إن بعض المصلين يطلب من المتسول صراحة أن يدعو له بالمغفرة وقبول العمل، وكأن دعاء المتسول أقرب إلى الإجابة من دعائه هو بنفسه.
وهنا يبرز السؤال المحيّر: من يدعو لمن؟ وأين عقول الناس من هذا المشهد؟ فالمصلون هم أقرب الناس إلى الله في تلك اللحظة، خرجوا لتوهم من عبادة عظيمة، وألسنتهم رطبة بالذكر، وقلوبهم حاضرة. فكيف يطلب أحدهم الدعاء ممن قد لا يكون توضأ، أو لم يصلِّ أصلًا، وربما لا يعرف من الصلاة إلا باب المسجد؟
لا يعني هذا الانتقاص من أحد، ولا الحكم على نيات الناس، فالله وحده يعلم السرائر، ولكن العقل يدعو إلى ترتيب الأولويات. فالدعاء عبادة، وأقرب الناس إليها هم أهلها. والأولى بالمصلين أن يرفعوا أكفّهم لأنفسهم، وأن يسألوا الله المغفرة والقبول، بدلًا من تعليق قلوبهم بدعاء من لا يُعرف حاله مع الله.
ثم إن الصدقة، على عظيم فضلها، لها مواضع أولى بها. فقد أوصى الشرع بالبدء بالأقربين، فالتصدق على الأبناء والأقارب المحتاجين أعظم أجرًا، لأنه صدقة وصلة رحم في آن واحد. أما إعطاء المال لمن اعتاد السؤال دون سعي أو عمل، فقد يكرس الكسل ويشجع على الاتكال.
إن هذه المشاهد ليست دعوة إلى القسوة، ولا إلى منع الصدقة، بل هي دعوة إلى الوعي والتوازن. فالدين ليس طقوسًا تُؤدى فحسب، بل عقل يُفكر، وقلبٌ يعي، وسلوكٌ مستقيم. وإذا استقام الفهم، استقامت العبادة، وعرف كل إنسان موضعه الصحيح بين الدعاء والعمل، وبين العطاء والمسؤولية.