في لحظات التحول الكبرى لا ينتصر الأكثر عدالة، بل الأكثر فهمًا لقواعد اللعبة. وما جرى خلال السنوات الماضية يقدّم درسًا سياسيًا قاسيًا التحالفات لا تُقاس بالنوايا، بل بالنتائج.
من تحالف مع أبوظبي لم ينتصر لأنه محقّ أخلاقيًا، بل لأنه اختار شريكًا يؤمن بالحسم.
ومن تحالف مع الرياض لم يسقط لأنه مخطئ بالضرورة، بل لأنه راهن على شريك يدير الصراع ولا ينهيه فالفرق هنا ليس تفصيلاً، بل جوهر المعركة.
أبوظبي دخلت المشهد كقوة تعرف ما تريد نفوذ محدد، أدوات محلية واضحة، وسيطرة قابلة للتحول إلى أمر واقع. لم تُغرق حلفاءها بخطاب الشرعية، ولم تبيعهم وعود “المرحلة القادمة، بل طالبتهم بشيء واحد فقط: التنفيذ.
من نفّذ حُمي، ومن استمر حُفظ، ومن نجح ثُبّت.
في المقابل، تعاملت الرياض مع المشهد بعقلية مختلفة: موازنة القوى، منع الغلبة الكاملة، إبقاء كل الأطراف في حالة اعتماد دائم. فهي لا تبحث عن منتصر نهائي، بل عن توازن قابل للإدارة.لتُبقي الجميع داخل اللعبة، لكنها لا تسمح لأحد بإنهائها.
من هنا بدأ الانهيار البطيء لمن راهن على الرياض.انتظروا الضوء الأخضر، فجاءتهم الإشارات الرمادية.
تشبثوا بالشرعية، بينما كان الواقع يُعاد تشكيله خارج النصوص.كتبوا بيانات، فيما كان الآخرون يرسمون خرائط.
أما الذين انتصروا مع أبوظبي، فلم يسألوا هل هذا عادل
سألوا السؤال الأخطر: هل هذا قابل للتحقق وفهموا أن السياسة في زمن الفوضى لا تكافئ من يقف في المنتصف، بل من يفرض معادلة جديدة.
المفارقة المؤلمة أن الرياض لم تخن حلفاءها بالمعنى التقليدي، لكنها أيضًا لم تمنحهم ما توهّموا الحصول عليه: النصر هي منحتهم البقاء داخل المشهد، لا السيطرة عليه.
والبقاء دون نفوذ ليس انتصارًا، بل تأجيلًا للسقوط.
الخلاصة التي يتهرب كثيرون من قولها من تحالف مع أبوظبي راهن على الفعل والنتيجة.ومن تحالف مع الرياض راهن على الصبر والانتظار.
وفي السياسة، الصبر بلا قوة ليس حكمة بل وصفة مؤكدة للهزيمة المؤجلة.