آخر تحديث :الإثنين-02 فبراير 2026-01:10ص

الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب

الأحد - 07 ديسمبر 2025 - الساعة 09:15 م
صخر الخطيب

بقلم: صخر الخطيب
- ارشيف الكاتب


أزمة الثقة وتحديات المستقبل شكل تحقيق الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو عام 1990م ذروة تطلعات الشعب اليمني نحو بناء دولة حديثة موحدة وقادرة على استغلال مواردها لصالح جميع أبنائها. كانت الوحدة حلمًا تاريخيًا طال انتظاره، لكن السنوات التي تلت إعلانها كشفت عن تشققات عميقة في نسيج الثقة بين أبناء الشمال والجنوب، وهي التشققات التي غذتها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة. إن النظر إلى مسيرة الوحدة من منظور الأزمة الحالية يكشف عن أن المستفيد الأكبر من تعثرها لم يكن الشعب اليمني، بل تلك النخب التي استغلت الانقسامات لنهب ثروات البلاد، تاركة المواطنين يعانون ويلات الفساد والتهميش.


لقد تأسست الوحدة على أسس هشة افتقرت إلى آليات واضحة لدمج مؤسسات دولتين كانتا تسيران في مسارين مختلفين لعقود طويلة. كانت هناك توقعات كبيرة لدى الجنوبيين بأن ينعموا بمستوى معيشي أفضل وبمشاركة حقيقية في السلطة والثروة، خاصة وأن الجنوب كان يمتلك مقومات اقتصادية وموارد طبيعية كبيرة. إلا أن الواقع سرعان ما أظهر هيمنة القوى الشمالية على مفاصل الدولة الجديدة، مما أدى إلى تهميش واضح للكفاءات الجنوبية في القطاعين العام والعسكري، وتصفية مؤسسات الدولة الجنوبية السابقة، وخصخصة غير عادلة للمصالح والممتلكات. هذا التهميش خلق شعورًا عميقًا بالظلم لدى الكثيرين في الجنوب، وهو ما يمثل جوهر أزمة الثقة المتفاقمة.


من الواضح أن الفساد كان المسرطن الذي استشرى في جسد الدولة الموحدة. لم يكن الفساد مقتصرًا على طرف دون الآخر، بل كان ظاهرة شاملة استغلت حالة عدم الاستقرار السياسي وغياب المحاسبة لنهب الموارد النفطية، والموانئ، والأراضي. لقد أدت شبكات المحسوبية والولاءات الضيقة، التي وجدت بيئة خصبة في ظل ضعف المؤسسات الرقابية، إلى إفقار المواطن العادي في الشمال والجنوب على حد سواء. ونتيجة لذلك، تحول الحلم الوحدوي إلى خيبة أمل جماعية، حيث شعر المواطن اليمني بأن ثرواته تذهب إلى جيوب قلة من اللصوص الذين يتنقلون بين صفوف النخب الحاكمة بغض النظر عن انتماءاتهم الجغرافية.


إن النقاش الدائر اليوم حول إمكانية الانفصال أو بقاء الوحدة لا يمكن فصله عن سياق الأزمة الإنسانية والسياسية الراهنة. بعض الأصوات، خاصة في الجنوب، ترى أن الانفصال هو الحل الوحيد لاستعادة الكرامة والحقوق المسلوبة، استنادًا إلى التجارب المؤلمة التي مرت بها البلاد منذ عام 1994م. وفي حال تحقق الانفصال وعادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل عام 1990م، فإن التحدي الأكبر سيبقى هو طبيعة القيادة التي ستحكم كل جزء على حدة.


التحذير من انتقال الفساد من الشمال إلى الجنوب في حال الانفصال هو تحذير واقعي نابع من مراقبة سلوك النخب السياسية اليمنية بشكل عام. فإذا لم يتم تطهير الساحة السياسية من الممارسات الفاسدة قبل أي انفصال أو إعادة تشكيل، فإن الجنوب سيجد نفسه في مواجهة مع "فاسدين جنوبيين" يحلون محل "الفاسدين الشماليين"، مستغلين موارد الجنوب المحدودة، والتي ستكون أكثر عرضة للنهب في ظل غياب الرقابة المركزية والمساءلة الوطنية الواسعة. التجربة أثبتت أن الولاء للمال والامتيازات يسبق غالبًا الولاء الوطني أو المناطقي. وبالتالي، فإن استبدال فاسد بآخر لا يعدو كونه تغييرًا في الواجهة، بينما يظل الشعب هو الخاسر الأكبر.


الحقيقة المؤلمة هي أن استمرار الصراع والانقسام، سواء كان انفصالًا فعليًا أو استمرارًا للواقع المرير للوحدة المعطّلة، يخدم فقط أولئك الذين يقتاتون على ضعف الدولة وتشرذم المجتمع. لقد كانت فرصة الوحدة، رغم إخفاقاتها، لإظهار قدرة الشعب اليمني على تجاوز خلافاته التاريخية وبناء كيان قوي ومزدهر. لكن هذه الفرصة أهدرت بسبب صراع النخب على الكعكة بدلاً من العمل على توسيعها.


إن أي مسار مستقبلي، سواء كان استعادة الوحدة الفعالة القائمة على الشراكة الحقيقية أو الذهاب نحو الانفصال، يجب أن يسبقه أو يصحبه تفكيك شامل لشبكات الفساد التي استنزفت البلاد. بالنسبة لأبناء الجنوب، قد يبدو الانفصال ملاذًا لاستعادة الحقوق، ولكن هذا الملاذ لن يكون آمنًا ما لم يتم بناء نظام حكم رشيد يتمتع بالشفافية والمساءلة في الجنوب الجديد. وبالمثل، على أبناء الشمال أن يدركوا أن استدامة أي كيان سياسي لهم مرهونة بإنهاء حالة النهب المنظم التي أضرت بسمعة الجميع.


إن التحدي الآن ليس مجرد تحديد حدود جغرافية بين الشمال والجنوب، بل هو تحدٍ أخلاقي وسياسي يتمثل في كسر حلقة الفساد المستشرية التي استفادت من تفتت الثقة. الأيام كفيلة بأن تكشف ما إذا كانت النخب الجديدة، في أي من الكيانين المفترضين، ستكرر أخطاء الماضي أم ستختار مسارًا يخدم مصالح المواطن البسيط الذي دفع الثمن الأغلى من جراء هذه الأزمة المعقدة. إن الأمل الوحيد يكمن في وعي جماعي يفرض الشفافية ويرفض استبدال الظلم القديم بظلم جديد، سواء كان ذلك تحت مظلة الوحدة أو الانفصال.