آخر تحديث :السبت-10 يناير 2026-11:16م

الجنوب بين الانفجاروالوسيط التركي ..

الأحد - 07 ديسمبر 2025 - الساعة 03:01 م
د. هزم أحمد

بقلم: د. هزم أحمد
- ارشيف الكاتب


اليمن.... أولاً ..

ليتساءل المتابعون اليوم ما إذا كانت تركيا مرشحة للعب دور توافقي بين السعودية والإمارات وإيران في حال انفجرت الأوضاع في جنوب اليمن. هذا السؤال أخذ يتكرر مع كل تطور ميداني وسياسي، والإجابة الأقرب للواقع أن تركيا بالفعل قد تتحول إلى الخيار الإقليمي الذي يستدعيه الجميع عند لحظة الانهيار.

المشهد في الجنوب شهد تحولات حساسة أبرزها تشكيل قوات درع الوطن، وهي قوة مدعومة من السعودية تشكلت في ظل صراع داخلي بين منهجين داخل الرياض: منهج وطني حديث يقوده مشروع الدولة الجديدة، ومنهج تقليدي عميق يعتمد أدوات مذهبية وسلوكيات مؤسسية قديمة، مشابهة لما شهدته تجارب مثل أفغانستان. وقد رأى المجلس الانتقالي في هذه القوة تهديدًا مباشرًا لمشروعه السياسي باعتبارها صيغة مختلطة من الشمال والجنوب.

في الوقت نفسه، تراجعت السعودية عن أوراقها القوية المتعلقة بالشرعية والمرجعيات المعترف بها دوليًا كالقرار 2216 والمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار، نتيجة تصوير إعلامي مبالغ فيه بأن هذه الشرعية تابعة لحزب الإصلاح، ما أضعف موقف الرياض الرسمي وفتح الباب أمام فراغ سياسي.

هذا التداخل أنتج معادلة ازدواج نفوذ: قوة محسوبة على السعودية في مقابل قوة محسوبة على الإمارات، وهو ما يرفع احتمالات الصدام مع اتساع الخطاب الشعبي والإعلامي الذي يصور الوجود الخليجي كاحتلال ويستدعي ردود فعل من صنعاء وقوى قبلية في مأرب تدفع نحو مواجهة استنزاف طويلة تهدد مصالح الرياض وأبوظبي بشكل جذري.

عند هذه النقطة تظهر تركيا كمرشح قابل للقبول. فأنقرة تمتلك تجربة واسعة في سوريا، حيث استطاعت إعادة تشكيل خطابات الفصائل المتشددة نحو خطاب سياسي وطني وقادت عملية تحويل تدريجي جعلها طرفًا مقبولًا لدى الغرب، كما حافظت على علاقة متوازنة مع السعودية والإمارات وقطر وروسيا وإيران في وقت واحد.

تركيا ليست طرفًا مذهبيًا أو قبليًا في اليمن، ولا تحمل إرثًا صراعيًا داخليًا، وهذا يجعلها طرفًا حياديًا يمكن قبوله داخل اليمن وفي الإقليم. إضافة إلى ذلك فإن علاقاتها الاقتصادية والسياسية المتنامية مع السعودية والإمارات، وعلاقتها الهادئة مع إيران، تجعلها نقطة تلاقٍ ممكنة في لحظة الانفجار.

إذا وقع صدام سعودي–إماراتي في الجنوب، أو تمدد ضغط صنعاء، أو تصاعدت مقاومة محلية تُقدَّم دوليًا على أنها مقاومة "احتلال"، فإن الجميع سيبحث عن طرف قادر على إدارة التوازن وليس إدارة النفوذ، طرف لا يملك مشروعًا مذهبيًا ولديه القدرة على صياغة تفاهمات مقبولة.

وهنا تحديدًا تصبح تركيا الوسيط الأرجح لإعادة ضبط المعادلة عندما يعجز الآخرون. عن ذلك.