ها نحن نقف اليوم على مشارف عتبة مشهد إعلامي لم نعهده من قبل، حيث أصبح الفضاء المفتوح فخاً، وصار الخبر اليقين بضاعة نادرة.
إن القلم، والكلمة، وشرف نقلها كان يوماً ما سيفاً، لكنه في زمننا هذا أصبح عُرضة للتآكل بفعل صدى الشائعات.
لقد سقطت حصون الثقة التي بنيناها على مدى أجيال، وتركنا العقل العربي يتخبط وحيداً بين ركام الأخبار الكاذبة وضجيج الفوضى المرئية المرتّبة.
هنا تكمن المرارة الحقيقية للخبرة الطويلة
أن نرى الأساس يتصدع.
وفي هذا الغرق المعرفي، لا يلوح في الأفق كمنارة، قادرة على جمع الشتات إلا قوة مؤسسية واحدة، واجبة الحضور، مهمتها أن تتحول من مجرد تبادل إخباري إلى قلعة حقيقية لتدقيق الوعي تحت مظلة إتحاد إذاعات الدول العربية.
هذا ليس خياراً، بل هو العهد الأخير للصحافة الرصينة،ورسالة الصوت والصورة،الذي يحتاجه المواطن العربي.
الحديث اليوم ليس عن إمكانيات تقنية، بل عن حماية السردية، من التشظي.
حيث إن الدور المطلوب هو دور مُرشّح الحقيقة الذي لا ينام، والذي يفرض على كل مادة إخبارية قادمة معياراً صارماً، يحمي به القنوات الوطنية من الاندفاع خلف وهم السبق الرخيص.
هذا هو الفعل الذي يُعيد لمهنتنا هيبتها الضائعة، ويُبقي للكلمة وزنها النوعي.
ولكن القوة الحقيقية تكمن في أن هذا المرتكز، هذه المرجعية المشتركة التي ننشدها، ليست حلماً مستقبلياً أو طرحاً نظرياً؛ بل هي كيان عريق وقائم بالفعل، يتجسد في المركز العربي لتبادل الأخبار والبرامج،التابع لإتحاد إذاعات الدول العربية، ويمتلك البنية الأساسية التي تم تأسيسها بجهود عربية رائدة.
إننا لسنا بحاجة إلى بناء منارة جديدة في هذا المحيط الهائج؛ المنارة موجودة وتعمل.
غير أن إشعاعها لا يكتمل إلا بوقود الدعم العربي ،الجماعي.
وهنا يبرز الفرض الذي لا يسقط.
يجب أن تتضافر جهود كل الدول العربية، قنواتها وإذاعاتها،الرسمية والخاصة، ومؤسسات مجتمعها الإعلامي، ليس فقط لإرسال الأخبار بل كمرجعية للمصدر الخبري العربي الحقيقي المتزن والإسهام الفعلي ودعم وتسهيل مهام هذا المركز لتمكينه من القيام بهذا الدور الهام الضروري.
هذا الدعم ليس تبرعاً، بل هو إستثمار إستراتيجي في أمن الرواية،العربية.
وتشتد الضرورة إلحاحاً حين نلتفت إلى أشقائنا في الخرائط المتفجرة... السودان، غزة، ليبيا. وبلدي اليمن ،هناك، حيث تختلط دماء الأبرياء بدموع الشائعات، وحيث يصبح توفير معلومة صادقة عملاً بطولياً بحد ذاته.
إن تلك المظلة التضامنية يجب أن تنهض كدرع يوفر للمراسلين في تلك المناطق سنداً إخبارياً لا يخذلهم، ويمنح تلك الأوطان الملتاعة المنصة التي ترفض التشكيل والتحريف.
إننا نرى بعين الخبرة أن توفير هذه الشبكة الآمنة هو الخط الدفاعي الأول الذي يمنع سقوط الرواية الوطنية العربية في يد الخصوم، ويخدم الوعي الذي تستهدفه الشعوب، وينقل الحقيقة لما يحقق الأمن والسلام والوعي الوطني والقومي.
إن الرواية العربية ليست مجرد حزمة أخبار، بل هي سجل الذاكرة ومرآة الهوية.
لا يجوز أن تبقى شظايا متناثرة تذروها رياح الإستقطاب.
يجب أن تتجسد هذه الرواية كتيار فكري موحد يسمو على كل خلاف.
هذا هو الجسر البلاغي الذي يربط العواصم، وينسج خيوط الضمير الإعلامي العربي الجماعي الذي لا يقبل القسمة.
في الختام، إن إستمرار هذه المرجعية المؤسسية هو الفرض الذي لا يسقط.
والدعوة اليوم موجهة للقيادات التي تدرك عمق الأزمة.
يجب توسيع مهام هذه المنصة الجامعة التي يديرها المركز العربي لتبادل الأخبار والبرامج لتشمل التدريب المتقدم في فنون التحقق الرقمي، وجعلها نقطة إسناد فنية لا تغيب شمسها عن الدول التي تعيش تحت نيران الصراع،والوطن العربي بأكمله
إننا نكتب اليوم عن ضرورة بقاء النور في زمن العتمة، وهذا المقال ليس إلا صرخة مكتوبة بقلم مُحب للمهنة ومُدرك لخطر ضياعها.