يعد مفهوم الجيش الوطني حجر الزاوية في بناء الدولة الحديثة والحفاظ على سيادتها واستقرارها، وإن جوهر هذا المفهوم يكمن في الولاء المطلق للوطن ومصالح شعبه العليا، بعيدًا عن أي اعتبارات فئوية أو سياسية ضيقة وعلى النقيض من ذلك، تبرز ظاهرة الميليشيات التي تتخذ المظهر العسكري ولكن ولاءها ينصب على حزب أو فصيل معين، مما يجعلها أدوات لحماية مصالح تلك الجهة بدلاً من حماية المصلحة العامة، وغالبًا ما يكون هذا الانحراف مدعومًا بآلة إعلامية مضللة وإن التمييز بين المؤسسة العسكري الوطنية الحقيقية والتنظيمات المسلحة الحزبية أمر حيوي لفهم ديناميكيات الأمن والاستقرار في أي مجتمع.
الجيش الوطني، في تعريفه الأكاديمي والمؤسسي، هو قوة مسلحة تنبثق عن إرادة الدولة وتمثل شرعيتها الوحيدة ولاؤه موجه نحو الدستور والقوانين التي تحكم الأمة، والهدف الأسمى لمنتسبيه هو الدفاع عن حدود الوطن وسلامة مواطنيه وحماية مكتسبات الشعب المشتركة. هذا الولاء الوطني يفرض على الجيش الحياد التام تجاه الصراعات السياسية الداخلية، ويجعله صمام الأمان ضد أي محاولة للانقلاب على الإرادة الشعبية أو فرض أجندات فصائلية. إن انضباط الجيش الوطني وقيمه المستمدة من الوطنية تضمنان أنه يعمل كقوة موحدة، تخدم جميع أطياف المجتمع دون تمييز.
على الجانب الآخر، تتشكل الميليشيات الحزبية عندما يتم استبدال الولاء الوطني بالولاء لقائد حزبي أو أيديولوجية فصيلية محددة هذه التنظيمات المسلحة، حتى لو ارتدت زيًا رسميًا أو زعمت تمثيل قطاعات من الشعب، تظل خاضعة لأجندات خاصة تحمي مصالح النخبة الحزبية والتاريخ الحديث مليء بالشواهد التي تؤكد أن الميليشيات الحزبية، بمرور الوقت، لا تحمي الوطن بل تهدده. عندما يكون الولاء للحزب، يصبح استخدام القوة أداة لترسيخ هيمنة هذا الحزب وتصفية الخصوم السياسيين، مما يؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وتقويض سلطة الدولة الشرعية وان هذه الميليشيات غالبًا ما تتجاوز القانون، وتستحوذ على الموارد، وتزرع الخوف، وهذا السلوك يتعارض جوهريًا مع مهمة الجيش الوطني في حفظ الأمن وسيادة القانون.
التحول من الجيش الوطني إلى أداة حزبية غالبًا ما يصحبه ظاهرة خطيرة وموازية، وهي نشوء "جيش من الإعلام المنافق". لضمان بقاء الميليشيات الحزبية وقبولها الاجتماعي أو إخضاع المجتمع لسلطتها، تحتاج هذه الكيانات إلى تبرير أفعالها وتشويه صورة المؤسسات الوطنية المنافسة أو المعارضة لها وهذا الإعلام المنافق لا يهدف إلى نقل الحقيقة، بل إلى تضليل الحقائق وتلفيقها بما يخدم مصالح الحزب الحامي للميليشيات. يقوم هذا الإعلام بتصوير القوات الوطنية المحايدة على أنها عميلة أو معادية، بينما يقدم الميليشيات الحزبية على أنها "قوة شعبية مقاومة" أو "حماة الثورة".
إن تكتيكات التدليس الإعلامي تشمل تضخيم الإنجازات الجزئية للميليشيا، وتجاهل أو التستر على انتهاكاتها، ونشر الأكاذيب الممنهجة لتشويه سمعة أي طرف يسعى لفرض سيادة القانون على هذه التنظيمات المسلحة غير الشرعية وهذا التضليل الإعلامي يخلق واقعًا موازيًا حيث يصبح الدعم غير المشروط للميليشيا هو المعيار الأخلاقي، بينما يصبح الالتزام بالدولة والمؤسسات الوطنية اتهامًا بالخيانة. هذا التناقض يمثل تهديدًا وجوديًا للديمقراطية والمواطنة، لأنه يقوض الأساس المعرفي الذي يبني عليه المواطنون قراراتهم وتحالفاتهم.
في السياق العملي، يمكن ملاحظة الفوارق بوضوح في مناطق النزاع المعاصرة حيثما تنجح الدولة في بسط سيطرتها من خلال جيش نظامي واحد يخضع للسلطة المدنية المنتخبة، يسود قدر أكبر من الاستقرار النسبي، حتى في ظل التحديات الأمنية أما المناطق التي تهيمن عليها ميليشيات متعددة الولاءات الحزبية، فإنها تتحول إلى بؤر للفوضى والصراعات الداخلية المستمرة، حيث تتنافس هذه الميليشيات على النفوذ والموارد، وغالبًا ما تكون هذه النزاعات أشد ضراوة من أي تهديد خارجي.
إن استعادة الدولة لوظيفتها الأساسية تتطلب نزع سلاح الميليشيات الحزبية وإعادة دمج أو تفكيك هذه التنظيمات وهذا المسار، الذي غالبًا ما يُطلق عليه "إصلاح قطاع الأمن"، هو تحدٍ هائل لأنه يتطلب مواجهة ليس فقط القوة المسلحة بل أيضًا شبكة الدعم السياسي والإعلامي التي تحميها. إن إضعاف جيش الإعلام المنافق أمر لا يقل أهمية عن تفكيك الميليشيات نفسها، فكلاهما يشكلان وجهين لعملة واحدة: السيطرة الأيديولوجية والسياسية عبر القوة المسلحة.
يظل التمييز بين الجيش الوطني الذي يجسد إرادة الأمة والميليشيات الحزبية التي تحمي أجندات ضيقة هو الفيصل في تحديد مصير الدول. الولاء للوطن هو الضمانة الوحيدة للسلام الدائم وحماية حقوق الشعب. عندما يتخلى الجيش عن ولائه الوطني ليصبح أداة حزبية، وعندما يتضافر هذا التحول مع آلة إعلامية تدلس الحقائق، فإن الوطن بأكمله يقع تحت طائلة الخطر، وتتحول المصالح الخاصة إلى دمار شامل للمصلحة العامة. الحفاظ على مؤسسة عسكرية وطنية نزيهة هو خط الدفاع الأول ضد الانقسام والانهيار.