في خضم الأزمات المتتالية التي تعصف بالمنطقة، من انهيارات اقتصادية، إلى تدهور الثقة الشعبية، إلى ضعف مؤسسات الدولة، تقف الأحزاب والمكونات السياسية بمختلف أطيافها في موقع العاجز، لا لغياب الرؤية فحسب، بل لرفضها الصريح أو الضمني للاعتراف بأمر واقع يفرض نفسه بقوة: النظام السياسي بصيغته الحالية فشل في إنتاج دولة فاعلة وعادلة.
على امتداد سنوات طويلة، اكتفت القوى السياسية بتبادل الاتهامات وتحميل بعضها البعض مسؤولية الانهيار، وكأن الجميع لم يكن شريكًا، بشكل أو بآخر، في بناء هذا الواقع الهشّ. الهروب من المسؤولية أصبح القاعدة، بينما غاب الحد الأدنى من الجرأة للاعتراف بالحقيقة الموجعة: لم يعد بالإمكان المراهنة على الأدوات نفسها، ولا على الخطابات القديمة التي فقدت قدرتها على الإقناع.
الأخطر من ذلك، أن هذا التهرب من مواجهة الواقع بات يُترجم إلى تعطيل للإصلاح، وإلى استمرار في نهج المحاصصة والمصالح الضيقة، وكأن البلاد لا تمرّ بانهيار فعلي. لا تُطرح حلول واقعية، ولا مشاريع إنقاذية جدّية، بل يُعاد تدوير الفشل ضمن صيغ جديدة، تحمل العناوين القديمة نفسها.
الشعب، من جهته، لم يعد يثق في أي طرف. الصمت الشعبي لا يعني القبول، بل هو دليل على الغضب المكبوت، واليأس من التغيير ضمن الأدوات القائمة. في هذا السياق، يُصبح تجاهل أمر الواقع ليس مجرد هروب سياسي، بل تهديد مباشر لبقاء الدولة ومؤسساتها.
آن الأوان لأن تواجه القوى السياسية الحقيقة: لا إمكانية للاستمرار دون إعادة نظر جذرية في النظام، في أسلوب الحكم، وفي منطق السلطة. الاعتراف بالواقع ليس ضعفًا، بل بداية الطريق نحو أي أمل في الإنقاذ. أما المراوغة، فثمنها سيكون باهظًا على الجميع، دون استثناء.......
مهندس صالح محمد المخدر