بقلم / محمد الدلالي
ليست الدعوة إلى الفصل بين الدين والسياسة دعوةً لهدم الدين أو محاربته، بل هي محاولة لحمايته من التوظيف السلطوي والمصالح العابرة. فحين تدخل السياسة – بكل ما تحمله من تناقضات ومساومات – إلى ساحة المقدس، يتحول الدين من رسالة روحية إلى وسيلة صراع، ويصبح أداة بيد المتنازعين.
لقد رأينا عبر التاريخ أن التجارب التي خلطت بين السلطة الدينية والسلطة الزمنية – باستثناء عصور النبوة والخلفاء الراشدين – سرعان ما تحوّلت إلى صراعات دموية، نُفّذت تحت غطاء ديني. وهذه حقيقة يجب أن تُناقش بجرأة. الحفاظ على مكانة الدين لا يتم عبر الزج به في أروقة السياسة، بل بإبعاده عن التحزّبات والمصالح الضيقة، وصونه ليبقى مرجعية أخلاقية وروحية للجميع، وليس شعارًا في يد فئة دون أخرى.
من المؤسف أن يتم تصوير كل دعوة لتنظيم العلاقة بين الدين والدولة بأنها حرب على الدين نفسه. بينما الحقيقة أن الهدف منها هو حماية الإيمان من الاستغلال، وإرساء قيم العدالة والمساواة بين الناس، بغض النظر عن معتقداتهم. فالأنظمة التي تضمن الحرية والكرامة والعيش المشترك، وتمنع التمييز باسم العقيدة، هي أقرب لقيم الدين من تلك التي ترفع رايته شكلاً وتمارس عكسه مضمونًا.
ولعلّ المفارقة اللافتة أن بعض من ينادون بسلطة دينية صارمة، لا يجدون الأمان والحرية إلا في دول تمنح الجميع حقهم في العبادة وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات. هناك، لا يُفرض الإيمان، بل يُحترم. ولا يُستخدم الدين كسلاح، بل كضمير حي في حياة الفرد.
الحديث هنا ليس عن مشروع مثالي، بل عن مقاربة عملية تُبقي الدين طاهرًا بعيدًا عن الاستغلال، وتمنح الدولة دورها في خدمة الناس لا في توجيه مصائرهم الأخروية. فمهمة الدولة ليست إدخال الناس الجنة، بل توفير العيش الكريم والخدمات والحريات التي تليق بكرامة الإنسان.
“الدين لله والوطن للجميع” ليس شعارًا مفرغًا من المعنى، بل دعوة للانفتاح على فهم جديد، يُنقذ الدين من التسييس، ويُنقذ المجتمع من الاستبداد باسم السماء. لأن البداية الحقيقية للنهضة هي حين نعرف كيف نُعطي لكل من الدين والدولة مجاله الخاص، فيتكاملان ولا يتصارعان.