آخر تحديث :الأحد-05 أبريل 2026-02:54م

فتحي بن لزرق.. صوت الصحافة الحرة في زمن الانهيارات

الجمعة - 27 يونيو 2025 - الساعة 08:24 ص
عبدالفتاح الصناعي

بقلم: عبدالفتاح الصناعي
- ارشيف الكاتب


في زمنٍ طغت فيه لغة التخندق، وتكاثرت فيه المنابر الموجهة، وتحوّلت كثير من وسائل الإعلام إلى أدوات صراع، يبرز اسم فتحي بن لزرق كأحد الأصوات النادرة التي حافظت على استقلالها، وتمسكت بمبادئ الصحافة المهنية، ورفضت أن تنحاز إلا للحق، ولليمن.


منذ بداياته الصحفية، اختار فتحي طريقًا مختلفًا، لا يبحث فيه عن النجومية المؤقتة ولا يسعى لرضا أصحاب النفوذ، بل عمل بجد ليؤسس مشروعًا إعلاميًا وطنيًا مستقلًا، كانت انطلاقته قبل اشتعال الحرب في اليمن. وهذا ما منحه خصوصيةً وفرادة، فهو لم يكن من مخرجات الصراع ولا نتاجًا لانهيار الدولة، بل أحد الشهود عليه، وواحد من القلائل الذين وقفوا في وجهه بالكلمة الحرة والصوت الصادق.


تميّز فتحي بجرأة رأيه ووضوح موقفه. لم يُغرق كتاباته بالشعارات الرنانة، ولم يتقوقع خلف أيديولوجيا معينة، بل كتب من قلب الواقع، ومن موقع المسؤولية الأخلاقية تجاه وطنه. لم يُرفع على كتفيه شعار "الحداثة" كمجرد غطاء ثقافي، ولم ينجرف نحو الترويج لجماعة دينية أو سياسية، بل ظل ثابتًا في انتمائه لليمن، ولكل ما يمثله من قيم إنسانية وأخلاقية.


هذه الثباتات في زمن السيولة الأخلاقية والسياسية، هي ما منحت صوته تأثيرًا حقيقيًا. فحين يتكلم فتحي، لا يبدو صوته غريبًا عن الناس، بل يعبّر عنهم، وعن وجعهم، وعن تطلعاتهم لوطنٍ يستعيد عافيته. خطابه بسيط، لكنه نافذ؛ خالٍ من التكلف، لكنه مليء بالمضمون. لا يكتب ليعجب، بل يكتب ليقول الحقيقة كما هي.


وقد استطاع عبر منبره الإعلامي ومنصاته، أن يكوّن جمهورًا واسعًا من مختلف مناطق اليمن: شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا. جمهوره لا يربطه به انتماء سياسي أو مناطقي، بل يجمعه به الإيمان بأن هناك أصواتًا لا تزال تقول ما يجب أن يُقال، وتكتب ما يجب أن يُكتب.


في بيئة صحفية تتعرض يوميًا لضغوطات الرقابة، والمصالح، والملاحقات، اختار فتحي بن لزرق أن يبقى صحفيًا أولًا، ومواطنًا يمنيًا حرًا قبل كل شيء. ومن خلال هذا الخيار، تحول إلى رمز للمهنية والموقف الوطني المتوازن.


إن تجربة فتحي تُعيد التذكير بأن الصحافة ليست مجرد نقل خبر أو تحليل حدث، بل مسؤولية أخلاقية، وصوت لضمير الناس. وقد نجح فتحي، عبر هذه البوصلة، في أن يصنع لنفسه مكانة مرموقة، ويترك أثرًا عميقًا في المشهد الإعلامي اليمني، كصوت لا ينتمي إلا لليمن، ولا يدافع إلا عن الحقيقة.