يوما بعد يوم تتسارع وتيرة الانهيار في سعر صرف الريال اليمني، حتى بلغ اليوم ذروته غير المسبوقة، إذ تجاوز سعر الريال السعودي حاجز 713 ريالا يمنيا في مناطق الشرعية وسط صمت حكومي وشعبي محير، رغم تدفق الدعم المالي الخارجي لا سيما من المملكة العربية السعودية، هذا الانهيار المستمر لم يعد مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل تحول إلى كارثة نعيشها بشكل يومي وتتغذى على الفساد واللامسؤولية والتشظي السياسي، فما الذي يحدث؟ ولماذا لم تُفلح الودائع والمساعدات في وقف هذا الانهيار؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا التدهور غير المسبوق؟
الحقيقة أن ما يحدث ليس نتيجة عامل واحد، بل سلسلة من السياسات الخاطئة، والممارسات الفاسدة، وانعدام الرؤية الاقتصادية، الأمر الدي جعل من الريال اليمني ضحية واضحة لصراعات النفوذ والفوضى المالية.
رغم أن الدعم السعودي شمل ودائع مالية ضخمة في البنك المركزي بعدن، ومرتبات مجندين ومشتقات نفطية، إلا أن الأثر ظل محدودا لسبب جوهري وهو تسرب العملة الصعبة خارج النظام النقدي الرسمي، فكثير من الأموال تحول لحسابات مسؤولين في الخارج أو تهدر في نفقات لا تخضع لأي رقابة، السفارات والمكاتب الحكومية في الخارج تستنزف موارد الدولة، دون أن ترفد البنك المركزي بأي عائد يذكر، وهكذا تتحول العملة الصعبة إلى سلعة نادرة في السوق، فيرتفع سعرها، ويزداد انهيار الريال.
من جهة أخرى، يشكل دفع رواتب بالريال السعودي لمعظم التشكيلات العسكرية عاملا إضافيا في اختلال السوق، فهذه الأموال بدل أن ترفد السوق باستقرار، تدخل بشكل فوضوي وتحول إلى الريال اليمني في الصرافات ما ينشط المضاربة ويضعف الثقة بالعملة المحلية، الأسوأ أن كثيرا من هذه الأموال تكتنز أو تهرب، فلا تعود على الاقتصاد المحلي بدورة نقدية حقيقية.
وفي الوقت الذي تترك فيه السوق في مناطق الشرعية مفتوحة تمامًا بدون ضوابط، نجد في مناطق المليشيا الحوثية إجراءات صارمة وإن بدوافع سلطوية، هناك يمنع صرف الحوالات بالريال السعودي، ويُفرض على المواطن استلامها بالريال اليمني فقط، ما يُقلل الطلب على العملة الأجنبية، ويُسهم في نوع من الاستقرار النقدي النسبي، رغم الوضع الاقتصادي المتدهور، وقد لا تكون هذه الإجراءات عادلة، لكنها تعكس كيف يمكن للرقابة أن تحدث فارقا، وهو ما يفتقره بنك عدن.
إلى جانب ذلك ففي مناطق الشرعية تودع إيرادات الدولة في بنوك خاصة خارج إشراف البنك المركزي، هذا يعني أن البنك المركزي لا يملك أرقاما حقيقية عن حركة الأموال ولا يستطيع إدارة السيولة أو التدخل بسعر الصرف، فتتحول هذه البنوك التجارية إلى أدوات غير رسمية تدير الدولة من خلالها الشأن المالي، بما في ذلك صرف مرتبات الموظفين، دون أن تكون خاضعة لرقابة البنك المركزي أو لأية معايير محاسبية، والنتيجة الكارثية انهيار كامل للمنظومة المالية، حيث لا توجد سياسة نقدية واضحة، ولا رقابة مركزية، ولا شفافية في الإيرادات أو النفقات، وبدل أن تكون البنوك أدوات للدولة، أصبحت الدولة أداة بيد البنوك الخاصة.
وسط هذا كله يلوذ المواطن بالصمت، مثقلا بالهم اليومي، ضعف الوعي الاقتصادي وغياب القيادة المجتمعية جعلا الناس غير قادرين على المطالبة بإصلاحات أو حتى معرفة من هو المسؤول عن الانهيار، هل الحكومة؟ أم البنك المركزي؟ أم المانحون؟ أم منظومة الفساد؟ هذا الضباب المقصود ساهم في كسر أي إمكانية لتحرك شعبي منظم، بينما الإعلام الرسمي يمعن في تزييف الصورة ويغطي الكارثة بخطابات ووعود زائفة.
إن ما يحدث للعملة ليس مجرد أزمة عابرة بل هو انهيار متعمد، يقود البلاد إلى حالة الإفلاس الكامل، ويهدد كيان الدولة ذاته، دعم خارجي بلا إصلاح داخلي لن يصنع اقتصادا، وتسليم القرار المالي للبنوك الخاصة يحول الحكومة إلى كيان هش بلا سيادة نقدية، فالبلاد لا تحتاج إلى وديعة جديدة، بل إلى إعادة بناء للنظام المالي والإداري بالكامل، ابتداء من استعادة الإيرادات إلى البنك المركزي، وفرض الرقابة على البنوك الخاصة وشركات ومحال الصرافة، وفرض عقوبة صارمة وغرامة على من يتجاوز الخطوط الحمراء، وإنهاء النزيف الخارجي للعملة الصعبة، وخلق جهاز رقابي مستقل وفاعل لإدارة النقد.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم؛ كم يلزم من الانهيار حتى تعترف النخبة الحاكمة أن السياسة الحالية تدمر ما تبقى من البلاد؟ وهل هناك من يجرؤ فعلا على وضع مصلحة الريال فوق مصالحه الشخصية؟