آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-12:35ص

أنا وسارة والوليدي

الأربعاء - 13 مارس 2024 - الساعة 03:33 م
راجح المحوري


جاء ليجلس في ظل العمارة الذي أعتدت الجلوس فيه عصر كل يوم، لأمارس القراءة بشغف هو أقل مما صرت عليه بعد تلك اللحظة بمراحل.
رجل قوي البنية عريض الجبين، ذو عينين مليحيتن يشوبهما شيء من الحزن يضفي على وجهه البهي جمالا أليفا للنفس.لحظة فارقة من تلك اللحظات التي تشكل جسرا للعبور من زمن لآخر، ومن مرحلة في التفكير ورؤية الأشياء إلى مرحلة أخرى.
كنت محتبيا أمام المنزل الذي سكنّاه إلى جوار مسجد عمر بن الخطاب في الشيخ عثمان، وكنت أقرأ في نهايات رواية (سارة) لعباس محمود العقاد، كنت مستغرقا في الكتاب حين رأيته يلوّح لي بيده، بعدما لف الشماغ الأبيض حول ظهره، وعقد أطرافه بين ركبتيه.
سألني الرجل الوسيم :
ما أسمك؟
راجح المحوري..
أجبته وعرّفت نفسي (كاتب مبتدئ) إستنادا إلى مواضيعي الساذجة التي نُشرت في بعض الصحف حينها، فابتسم في غموض أثار تساؤلي غير أنه أخذ مني الكتاب بتهذيب ورفع حاجبيه _ لا أدري هل كان ذلك دهشة منه أم جبرا لخاطري _وقال:
_العقاد !
فأجبته بحماس الصبيان:
نعم
ورحت أشرح له بأنها رواية (سارة) الرواية الوحيدة للكاتب الكبير عباس محمود العقاد وقد استلهمها من الأديبة مي زيادة التي كانت له علاقة عاطفية بها على الأقل من طرفه هو، وأخذت أعبث في فكرة الرواية مع التعليق على أسلوب العقاد!!
ثم قلت:
_خذها إذا أردت واقرأها ستعجبك.
التفت لصاحبه، وقال عني عبارة لطيفة جعلتني أشعر بشيء من الود تجاهة، ثم وهو يحل عقدة الشماغ في غير عَجَلة قال:
أنا جاركم أسكن في هذه العمارة..
وأشار إلى المبنى القريب من الجامع:
وأنا أيضا من مودية.. إذا ممكن أنتظر، بعد صلاة المغرب وسنخرج أنا وأنت لكي أعرف منك أكثر حول رحلتك مع الكتابة..
ولم يكن ينقصني غير هذه الكلمات الأخيرة؛ "رحلتك مع الكتابة" كي أمتشق جناحين من الفرح، وأحلّق حتى يدفنني الغيم.. ولكنني تماسكت وقلت بهدوء:
_ أنا سعيد بذلك..
ذهبت على الموعد، فكانت المرة الأولى التي أستمع فيها بشكل مباشر إلى حديث هادئ ثري متدفق عن أهم قضايا الفكر والأدب، جذورها ومنطلقاتها.. أعلامها ورموزها.. وحدود تأثيرها، مع التعليق على جوانب ضعفها وقوتها.. كمّ هائل من العلومات، ومخزون وافر جدا من الثقافة الموسوعية.
كنت منبهرا حقا ولكنني حاولت أن أبدو صاحب معرفة أولاً وطرف يضيف لهذه النقاش ثانياً، ولا أحسبني أضفت شيئا، على العكس الآن أنا متأكد أن الفُتات من العلومات المتشضية التي كان يحتطبها ذلك الطفل الذي يدلف الى الشباب للتو، وينثرها أمام الرجل بلا نظام؛ كانت كفيلة بأن تجعله يضحك حتى يستلقي على ظهره، ولكن صغر سني وقبله ذهنية الرجل الخبيرة الواسعة، ومعرفته بحماس الشاب الذي يكافح ليظهر نفسه في مكانة محترمة، وإتقانه لفن صناعة الإنسان؛ تكفلت بنجاتي.
استمر النقاش تقريبا من طرف واحد إذا اعتبرناه نقاشا أدبيا وفكريا حقيقيا، ولم يقطعه العشاء الشهي، وكان على حساب الرجل بالطبع، بل ربما أن شياط أسماك خليج عدن، ورائحة الخبز، جعلتني أكثر حماسا وتدفقا في الحديث.
قبل هذا اللقاء الجميل كانت قد تكونت لدي بعض الثقافة الأدبية، وأصبحت لي قائمتي الخاصة بمن اقرأ لهم، وإن كنت أغير وأبدل من ساعة لأخرى، إلا أن ما حدث بعد ذلك كان أنقلابا في إتجاهات ذوقي، وميولي الأدبية بكل المقايسس، ولو لفترة من الزمن..
لا أستطيع أن أتذكر بعد ذلك كثيرا من التفاصيل التي لحقت ذهاب الرجل وصاحبه، ودخولي أنا إلى البيت، وسبقت اللقاء في المسجد بعد صلاة المغرب، ومن ثم الذهاب إلى المطعم الذي يقابل دوار السفينة من الجهة الغربية، ولكنني بعدها أتذكر أننا رجعنا إلى المسجد عندما اقترب موعد إقامة صلاة العشاء فصلينا، وطلب مني البقاء حتى يأتيني بكتب اقترح علي قراءتها، وطبعا مشترطا _ بدعابة أزالت الكثير من الحواجز بيننا منذ تلك اللحظة _ أن أكملها من الجلد إلى الجلد، لكي يكمل من جانبه قائمة الكتب التي أصر أن لابد لي من قرائتها.
تلك إذن بكثير من الاختصار قصة اللقاء الأول الذي جمعني بالصديق والأخ العزيز الأستاذ ناصر الوليدي، فأثمر مودة متبادلة بيننا، وفائدة كبيرة جدا لي شخصيا، سواء من حيث توجيهه المستمر لي، ودعمي بالكتب ونصحي ومشورته علي، ورعايته لموهبتي ونبوغي (المزعوم)، أو من حيث أخذه بيدي للتعرف على كثير من الأدباء والشعراء والكتاب الذين تعمقت صلتي بهم فيما بعد ومنهم الصديق العزيز الشاعر الكبير أسامة المحوري.
ورغم أن شهادتي في أبي زين غير مقبولة نظرا لخصوصية علاقتي به لكن للأمانة لقد وجدت فيه الشخص الذي يجمع بين رهافة الشعور ونبل الموقف، كما أنني لم أعرف شخصا استطاع أن يشكل نقطة التقاء يجتمع عندها معظم الادباء في عدن وخاصة من فئة الشباب كما الوليدي، فإنك لا تكاد تأخذ جولة مع الوليدي حتى تتعرف على مجموعة جديدة من أصدقائه الشباب الذين لا يختلفون في تقديره واحترامه والأخذ منه وإن اختلفت أفكارهم ومناطقهم وميولهم الادبية، وحتى توجهاتهم الحزبية وقناعاتهم الفكرية والسياسية والمذهبية.

١٧/ ٥/ ٢٠١٦م