آخر تحديث :الأحد-05 أبريل 2026-08:49م

خالد بحاح سفيراً بدرجة رئيس

الإثنين - 04 ديسمبر 2023 - الساعة 06:18 م
عبدالرحمن الرياني

بقلم: عبدالرحمن الرياني
- ارشيف الكاتب


في 31  أكتوبر الماضي  صدر قرار رئيس مجلس القيادة اليمني الدكتور رشاد محمد العليمي الذي قضى بتعيين الأستاذ خالد محفوظ بحاح سفيراً فوق العادة ومفوضًا للجمهورية اليمنية لدى جمهورية مصر العربية، في اليوم التالي لصدور القرار الجمهوري تواصلت مع عدد من الأصدقاء اليمنيين إعلاميين وسياسيين ومثقفين محسوبين على الوان الطيف السياسي اليمني في القاهرة أحد الأصدقاء وصف القرار بعبارة : بحاح سفير بدرجة رئيس ، حسب المتعارف عليه في السياسة اللبنانية تُطلق كلمة رئيس على رئيس الحكومة حتى بعد رحيله فيقال الرئيس سليم الحص أو الرئيس رشيد كرامي أو الرئيس صائب سلام  كان  يقصد أن الرجل خالد بحاح  كان ذات يوم رئيسًا للوزراء وهو الأمر الذي يعني أنه أحد صناع القرار في البلاد كما أنه إلى ذلك شغل منصب نائب رئيس الجمهورية اليمنية وقبلها شغل منصب واحدة من أهم الوزارات السيادية وزارة النفط التي عادة لا يتم منحها إلا لشخصيات وقيادات إستثنائية فكان الرجل وزيراً للنفط والمعادن في ثلاث حكومات كما أن الرجل شغل منصب مندوبً لليمن في الأمم المتحدة وهو المنصب الذي يحتاج إلى شخصية تتمتع بدرجة عالية من الدبلوماسية ولديها القدرة في قراءة المشهد الدولي والتناقضات الظاهرة والخفية التي تتحكم فيه وقوى الصراع التي تحكم وتتحكم بخيوط اللُعبة في عالم يخوض صراع شرس في مختلف الأصعدة والمحصلة هي دائمًا البحث عن شخصية لديها ميكانيزم متحرك وتتمتع بقدر عالي من الذكاء والبرجماتيه.

تعيين الأستاذ خالد بحاح سفيراً لليمن في القاهرة جعلني أعود بالذاكرة إلى من شغلو منصب رئيس الحكومة أو الوزراء وبعدها جرى الإستفادة منهم في تعيينهم كسفراء وهذا دائمًا ما يكون ديدنًا للدبلوماسيات النشطة هذه الحالة تكررت في مراحل تاريخية متفاوتة شغل فيها رؤساء الحكومات المنصب وفق ظروف وإستحقاقات كل مرحلة وخصوصيتها حدث ذلك مع أحد أهم رؤساء الحكومات في تاريخ اليمن الحديث محسن أحمد العيني الذي رأس أربع حكومات متتالية ثلاث منها إبان حكم القاضي عبدالرحمن الإرياني والرابعة في فترة حكم الرئيس إبراهيم الحمدي نفس الأمر حدث مع السياسي المخضرم الدكتور حسن محمد مكي أحد أعضاء بعثة الأربعين التاريخية التي أرسلها الإمام يحيى إلى الخارج في أربعينيات القرن الماضي وهو الذي تبوأ العديد من المناصب الهامة في فترة الحكم الملكي وفي مرحلة ما بعد قيام ثورة سبتمبر حتى وصل إلى منصب رئيس الوزراء قبل قيام الجمهورية اليمنية الذي شغل منصب سفير لليمن قبل الوحدة وبعد قيام الجمهورية اليمنية في واشنطن وروما وبعد توحيد البلاد في النمسا حتى عام 2000 م.

وهنا لا يمكن أن ننسى الدكتور ياسين سعيد نعمان رئيس وزراء الشطر الجنوبي قبل الوحدة ورئيس أول برلمان بعد قيام الجمهورية اليمنية سفير اليمن الحالي في بريطانيا ، هذا النوع من الساسة تطلبه الوظيفة ولا يسعى إليها لكونه يمثل حالة إحتياج وطني تستطيع البلاد من خلالها بعد سنوات الفوضى السياسية أن تعيد تموضعها السياسي بما يخدم " جيوسياسية " البلاد  في المحيط العربي والإقليمي والدولي.

وجود خالد بحاح بمنصب سفير اليمن في القاهرة يندرج في هذا الإطار باعتبار التعيين يحمل  مسألة لها العديد من الأبعاد والدلالات سواءً من حيث المكان أو الزمان تاريخيًا غلبت صفة القيادات من الدرجة الأولى على معظم من شغلوا المنصب كسفراء لليمن في القاهرة وبإستثناء حالات قليلة تحكمت فيها المحاصصة الحزبية والإجتماعية طوال سبعة عقود ظل منصب سفير اليمن في القاهرة حِكراً على ما يمكن توصيفهم من قيادات الصف الأول في الدولة اليمنية والأمثلة على ذلك كثيرة حمود الجائفي عضو مجلس قيادة الثورة الذي خلف أحمد عبدالرحمن المعلمي أحد كبار المناضلين ضد نظام حكم الكهنوت الإمامي اعتقل لسنوات طويلة في سجون الإمامة حتى فر من اليمن وغادر هاربًا إلى مصروبعد قيام الثورة في السادس والعشرين من سبتمبر 1962 عين سفيراً للنظام الجمهوري الثوري لدى مصر عبدالناصر ، تلك الفئة من السياسيين " القادة"  لم تكن ذات يوم  ممن يمكن تصنيفهم بالمتزاحمين حول صانع القرار بغية الحصول على منصب أو وزارة لأنهم لا يحتاجون إلى كل ذلك فهم دائمًا في حسابات مختلف القوى السياسية يعدون حالات  توافقية تتطلبها المراحل الصعبة والمنعطفات الخطرة والتوازنات الإقليمية وقبل كل شيئ المصداقية في تمثيل الوطن ، وفي بلد عادة ما يتم تصنيفها كأحد أنشط بؤر الصراع في المنطقة فهي حتمًا تحتاج إلى أن يكون مثل هؤلاء الساسة متواجدين وبقوة في المشهد لتقليص التباينات والإختلافات.

وجود الأستاذ خالد محفوظ بحاح على رأس البعثة الدبلوماسية اليمنية في أكبر عاصمة عربية وفي اللحظة التاريخية الراهنة يحمل عدة دلالات من ذلك عودة للدبلوسية اليمنية التي تتبع جهاز وجسم وزارة الخارجية العريق لتصدر المشهد من جديد وبعد سنوات بل عقود طويلة تعرض فيها جهاز وزارة الخارجية لحالات من التجريف والتجفيف حيث تم إقصاء العديد من الشخصيات الوطنية فيه من تولي المهام التي يمكن من خلالها خدمة الوطن على الصعيد العربي والإقليمي والدولي ، وجود شخصية يمنية على هذه الدرجة من الثقل السياسي كسفير لليمن لدى مصر ليس سوى تقديراً وإعترافًا وايمانًا بالدور و الحضور المؤثر والقوي والاستثنائي لمصر على الصعيد العربي والدولي ، لقد كان لزامًا على القيادة اليمنية وهي تتعاطى مع مصر التي شكلت بدبلوماسيتها نموذج لواحدة من أعرق المدارس الدبلوماسية المتفردة  التي نشأت في عهد محمد علي باشا مؤسس مصر الدولة المصرية الحديثة مطلع القرن التاسع عشر من خلال ماكان يُعرف بديوان "الأفرنكية " والتي كان لها الدور في أن تتبادل مصر المبعوثين والقناصل مع العديد من الدول الأوروبية للتأكيد على إستقلالية المملكة المصرية الدبلوماسية المصرية بعراقتها التي أوجدت نماذج أثرت وأثّرت في الحياة السياسية العربية من محمود رياض وإسماعيل فهمي وحافظ إسماعيل وعبدالرؤف الريدي وأحمد صدقي وأحمد ماهر السيد ومحمد شاكر والكثير ممن لايتسع المجال لذكرهم ديبلوماسية بهذه العراقة كان على الدول أن تتعامل معها بما يليق بعراقتها من اختيار للشخصيات التي تقوم بإيفادها كسفراء ومبعوثين بأن يكونوا من ذلك النموذج الرفيع القادر على تمثيل البلاد بصورته المشرفة ، مصر بثقلها السياسي والتي اختارها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ليخاطب  كل شعوب العالم الإسلامي من جامعة القاهرة في يونيو 2009 وهو أمر لها العديد من الدلالآت والآبعاد بسبب ما تمثله من ثقل على الصعيد الجيوسياسي  ، عودة على بدأ لقد أحسنت القيادة اليمنية في إختيار شخصية يمنية  ذات بعُد وطني جامعة توافقية يمكن للدبلوماسية الإستفادة منها للخروج من المأزق التاريخي الراهن والمؤشرات الدالة على ذلك يمكن أن نلمسها من خلال حالة الإرتياح التي عمت الوان الطيف السياسي أو الجسم السياسي اليمني في القاهرة.