آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-12:35ص

تــريـنـد

الإثنين - 13 نوفمبر 2023 - الساعة 02:29 م
راجح المحوري

ما الذي يحرك أمعاء الواقع الأدبي ليتق...ط تلك المطبوعات التي تنتهي إلى الأرفف بسلام، دون أن تساهم في تطوير الوعي، أو تنمية اللغة، أو تهذيب الذوق، أو حتى مكافأة القارئ بالقليل من المتعة؟
سيكون سؤالا صعبا إن فسرنا الأمر كظاهرة تعبر عن تحول اجتماعي جديد، ولكن دعوني أجيب وبيقين لم أتعوده فأقول:
إن السبب الذي يكاد يكون (وحيدا) وراء عقم ورداءة الجزء الأعظم من المنتوج الأدبي اليوم؛ هو مواقع التواصل الاجتماعي.. هذه المواقع الحمقاء التي أتاحت للكثيرين فرصة (الظهور المجاني) دون أدنى جهد، و(الترندات) العجيبة التي تجمع في لحظة مصادفة جمهورا عريضا واسعا من المعجبين والمصفّقين، وهو جمهور غبي فارغ، خال من الحس النقدي، بل ومن الذوق السليم في الغالب.
جمهور (جماعات الطاعة) الذي يلوك كل ما يقذف الإعلام إلى فيه، غير أنه يزدرد للأعلى، فتتراكم لديه فضلات من نوع يستحيل التخلص منه...
جمهور ساذج بسيط أتخذ من أسماء مشاهير الإعلام وصفحاتهم معيارا لقياس كل شيء.. فما أن يجد اقتباسا في صفحة أحد هؤلاء وإن كان شيئا تافها لا قيمة جمالية ولا فكرية له حتى يوظف نفسه لتمجيد صاحبه، ثم لا ينفك بعد ذلك يلح عليه بأنه قد أصبح نجما، ويواظب على ذلك بكل حماس حتى يشك المسكين في تواضع مادته! ومع تنامي الجمهور ورتفاع الصخب يتحول الشك إلى يقين، ثم غضب على نفسه وعلى الناس الذين "لطالما ظلموا إبداعه!"
عند هذا الحد من ترسخ يقين صاحبنا بأنه قد شب عن الطوق، ولا حاجة له بالاجتهاد على نفسه ليتطور ويبلغ مكانة الأديب المعتبر، كما كان يفعل جيل ما قبل (الظهور المجاني) الذين كانوا يبذلون جهودا دؤوبة متواصلة ليعترف بهم، ومن ثم ليُمنحون الألقاب= (الحلم).
عند هذا الحد من اليقين الأعمى مترافقا مع الثقة الشديدة بالنفس يغدو الكمين جاهزا لبعض الشخصيات المعتبرة لتقع فيه.. ويصبح النموذج السيء مكتملا ليقلده الآخرون، ما يعني المزيد من الهراء المطبوع.
ولا لوم على هذا المسكين حين يقتنع بأنه فعلا غدا شيئا هائلا! فينسى وضعه وينساق لهذا الوهم، فالحقيقة البسيطة هي إن الإنسان مولع بالنجاح من أي طريق جاء، ثم إنه أمر مربح على على مستوى سعة مسالك الحياة، فاليوم قطعان الفضاء الأزرق تشكل مصدرا مهما للكسب، ولذلك حتى وإن كان ذكيا جدا لدرجة النظر خارج الغبش الذي يشكله حوله جمهور الفارغين، وبالتالي فهو غير مسرور في دخيلته لاسيما عندما يراجع واقعه بتواضع في لحظات التقييم الموضوعي؛ فإنه سيبرر لنفسه بأن هذا زمن غير الزمن الماضي الذي كانت فيه الألقاب والشهرة والنجاح أمرا مجهدا للغاية، وقت كان بلوغ القمم يتطلب صعودا مرهقا..
أما والحال قد اختلف، فأصبح المجد الأدبي ممكنا في لحظة مصادفة، وبقفزة (تريند) واحدة؛ فما الحاجة لإرهاق عينيه بالقراءة، وكسر عنقه بالإنحناء على الورق؟
لقد بات الجمهور جاهزا، والظهور مجاني، والشهرة في متناول اليد!
ماحاجتك للسهر على موهبتك ليعترف بك، والفضائيات تستضيفك و(المفسبكين) و(الموتورين) يخنقون الأثير (بالسلفي) إلى جانبك ؟ 
ما حاجتك لكل ذلك الرهق المعرفي، والمنابر جاهزة، والجمهور يمرّن كفوفه للتصفيق؟!
تقدم أيها العظيم "فالنساء لن يلدن مثلك مهما أهتز السرير ليلا..".