اثارة تهميش الجوف يعيد للواجهة قضية قديمة جديدة، بل واقع مُر عانى منه أبناء الجوف ولايزالوا، وهو امر يثير السخط ويجر معه ارث ثقيل وعقود من التهميش والتغييب طال الجوف، ولهم أن يرفعوا اصواتهم الرافضة للتهميش عاليا وايصالها للمعنيين أياً كان الوضع ومهما كان الواقع الذي يعيشوه اليوم.
كنت شاهد على الحرمان الذي عانت منه الجوف عشت فيها اربع سنوات، حين وصلت الحزم مركز المحافظة في 2016م وجدتها تفتقر الى ادنى الخدمات ولو قارنتها بمركز مديرية بعدان فانه يفوق مركز محافظة الجوف 10 مرات من حيث الخدمات والمشاريع فيه، والبنية التحتية فماذا يعني ذلك بحق محافظة بعد ستة عقود من ثورة 26 سبتمبر.
على أن الظلم الذي طال المحافظة لم يدفع ابناءها لترك واجبهم الوطني، وبرغم معرفتهم حجم المظلومية التي تعرضوا لها، واطلاق حراكهم الشعبي لتسليط الضوء على ما يعانون، واثارة القضية، والبدء بتصعيد القضية في 2014م حتى يصل صوتهم للمعنيين، الا أن الأمر اختلف عندما شنت المليشيا الحوثية عدوانها على المحافظة تغيرت الأولويات وتجمدت المطالبات وتوقفت الاصوات التي تدعو لإنصاف الجوف، وبادر الجميع لمواجهة عدوان الحوثي، المندفع اليها لتحقيق مكاسب استراتيجية وباقل كلفة، ظناً أن الجوف ستكون لقمة سهلة على ما تتمتع به جغرافيتها من اهمية، وارضها البكر، ومستقبلها الواعد، بالإضافة الى انهم سيلاقون امامهم مجتمع قبلي غابت عنه الدولة وعانى التهميش، فلماذا سيقاتل دفاعا عنها؟ خابت الآمال الحوثية وشكل ابناء الجوف الاحرار جدار صلب اوقف زحف الحشود الحوثية وصمد في 2009 ومنع تمدد الحوثي لقضم مزيدا من المناطق ليضمها الى صعدة الخاضعة قسرا لسيطرته، وما تتوقف جولة حرب بين ابناء الجوف والمليشيا الا لتعود وفي كل جولة كلفة باهظة دون ان يسندهم احد، اندلعت معارك سدبا في2011م، واعنفها كان عام 2014م ولاتزال الغيل المديرية المدمرة بالكامل شاهدة على عنفوان المعارك واستبسال القبائل الجوفية، هُزم الحوثي في المعارك التي واجه فيها ابناء الجوف منفردين هذه حقيقة، اتسعت رقعت المواجهة مع انطلاق عاصفة الحزم لتمتد من الغيل جنوبا حتى اليتمة شمالا وصمد ابناء الجوف الا أن العبء كان يزداد والخذلان لايزال مستمر، سقطت الحزم مركز المحافظة بيد الحوثيين في يوليو 2015م، وسرعان ما اعاد ابناء الجوف ترتيب صفوفهم وتم اسنادهم بالجيش، ليأتي 18 ديسمبر من نفس العام وطلائع الجيش والمقاومة قد دخلت مدينة الحزم اي بعد اقل من 6 أشهر، خاضت الجوف معركة البنادق وواجه المسؤولين المحليين متطلبات تطبيع الاوضاع والشروع في توفير احتياجات البنية التحتية، وامام سقف تطلعات مرتفع لأبناء الجوف، الحالمون بأن يجدوا ثمرة تضحياتهم ونضالهم، ويطووا صفحة التهميش، ومع تركة ثقيلة من عقود الحرمان كانت البداية من الصفر، بدا الشعور بخيبة الأمل من احداث تحول في المحافظة، جراء استمرار التجاهل من قيادة الشرعية وغياب اي نية لتعويضها عن ما فات من سنوات الحرمان، تضاعفت الخيبة يوما بعد اخر، بسبب واقع كانت التحديات كبيرة بلاشك في ظل معركة مفتوحة وعدو على مشارف مركز المحافظة، وماتعانيه من شحّت الموارد، وتتحكم بما توفر اولويات المعركة، تضاءلت احلام ابناء الجوف وشعروا بان حقبة التهميش والتغييب لم تنتهي رغم المواقف الصلبة والتضحيات الكبيرة وسنستطرد هنا بعض الوقائع على اهمال الجوف ومعاناتها من الخذلان.
في 2018م التقت السلطة المحلية بالرئيس هادي في عدن وحضر اللقاء شخصيات سياسية وقبلية من الجوف، ورغم الحديث المعسول والنصائح القيمة في كلمة الرئيس الا أن الأهم من نتائج اللقاء لم يتم وما وجه به هادي من اعتماد حزمة مشاريع بنية تحتية لم تلقى النور، وتفسير ذلك أن الجوف لازالت في الهامش.
زيارة لنائب الرئيس حينها الفريق علي محسن الاحمر بنفس العام كانت اقل من خاطفة، وضع خلالها حجر اساس لما قيل في خبر الزيارة انها توسعة للكلية والمستشفى وطريق الجوف حضرموت، مشاريع دون المستوى ومع ذلك لم تعتمد من الحكومة، وظلت المتابعة جارية بينما لا تجد الحكومة صعوبة في التنصل منها، انصدمت كل المطالب بالتجاهل واهمال كل ما يخص الجوف من معاملات او مشاريع، وظلت تتهرب وتطلق الوعود، وكانت الحكومة تمنّ عليهم بصرف رواتب الموظفين، وتهدد بإيقافها من حين لآخر، ولأن الجوف لا تدر على خزينة الحكومة الاموال، ولاتملك ادنى موارد، تم التعامل معها محافظة درجة ثانية، وهكذا استمر مسلسل الاهمال.
في اوج المعارك التي اندلعت قبل الانسحاب مطلع 2020م والتي استمرت شهرين تواصلت فيها المعارك اليل مع النهار واشتعلت الجبهات من شمال الجوف الى اقصى جنوبها، انقطعت الاتصالات والانترنت على المحافظة، لم نشعر باهتمام قيادة الدولة بمعركة الجوف، ولا قامت وزارة الدفاع وهيئة الاركان بتحركات بحجم المعارك، وكان اكبر مسؤول من وزارة الدفاع يزور الجوف ويطلع على مسرح المعركة، نائب مدير دائرة التوجيه المعنوي وفريقه، فماذا يمكن تسمية ذلك سوى الاستهتار حتى وان كان يخص المعركة المصيرية، والدماء تسكب في الجبهات، فالأمر مختلف عندما يتعلق بالجوف، وهكذا استمرت معاناة ابناء الجوف كثير واهملوا في ظل السلطات المتعاقبة، والظلم الاشد مرارة من ذوي القربى وعدم تقدير التضحيات والايدي على الزناد دفاعا عن الشرعية.
ومنذ سقوط الجوف في مارس 2020م حتى اليوم الذي يصادف الذكرى الثالثة، لم يتوقف الحراك هنا في اوساط ابناء الجوف بمارب للبحث عن العودة، حيث يشعرون ان العودة قريبة، والمحافظة مهيأة، فالأرض ارضهم واقرب من اي وجهة أخرى وتتطلب قرار سياسي وقليل من ترتيب واسناد من القيادة، كما لم تستتب الاوضاع هناك للحوثي اذ تعيش المحافظة على صفيح ساخن منذ سيطرته عليها حتى اليوم.
اليوم معرض الحديث عن التهميش يأتي بعد تعيين رئيس مجلس القيادة الرئاسي محافظ من غير ابناء الجوف وهو صورة من صور التهميش، اذ تنفرد الجوف من بين 21 محافظة يمنية يديرها محافظون من ابناءها وان حدث تغيير للمحافظين فلا يخرج من اطار ابناء محافظتهم، وتضمنت مخرجات الحوار اعطاء ادارة المحافظات لأبنائها ومنحهم صلاحيات واسعة، فلماذا تستثنى الجوف؟! وهناك شخصيات كثيرة مؤهلة للمنصب من ابناء الجوف وتمتلك رصيد نضالي، وتحظى بشعبية، ولها ثقلها القبلي وتتمتع بقدر كبير من النضج السياسي وادراك لمتطلبات المرحلة، فلماذا اقصيت؟!، ويعتبر رفض التهميش اليوم موقف مبدأ من سياسة ممنهجة وفي اكثر من شكل وصورة، ولاعلاقة لشخص المحافظ المعين بدعوات انصاف الجوف، وتتوجه المطالبات الى رئيس واعضاء مجلس القيادة المعنيين بقرار التعيين والازاحة، والاهم من ذلك ان الجوف ليست تحت سيطرة الحوثي ولم يستطع فرض سلطته ويلاقي مقاومة قبلية شرسة ورغم اهتمام الحوثي بالجوف واستخدام سياسة الترهيب والرغيب الا انها فشلت كلها في كسب ولاء القبائل الجوفية، وهذا يجعل من منصب المحافظ حساس جدا سواء في ادارة المحافظة او في اي تحول.
تضحيات لم تقدر لا بناء الجوف حتى اليوم، فكل جولات الحرب ضد الحوثي ومواقفهم الثابتة لم تحظى بتقدير لدى صناع القرار ويدفعهم الى اهتماما بحجمها، ليس بمنصب محافظ وانما بتوجه اكبر نحو انهاء سياسية التهميش الممنهجة التي مورست ضدهم منذ اعلانها محافظة مستقلّة، ويتطلع ابناء الجوف لتقدير اهمية الجوف وثرواتها وهو الامر الذي ادركه الحوثي ويعمل ليل نهار وبشتي الطرق لتثبيت وجوده، بينما لم تعرف الشرعية قيمة محافظة الجوف ولم تقدر رجالها وتضحياتهم، ولا موقعها وثرواتها فهي لاتزال بكر وارض واعدة بالكثير وستكون رافد اساسي للمعركة الوطنية والاقتصاد وكل المجالات التنموية.