لماذا تم تغييب تاريخنا اليمني مقابل إبراز تاريخ قريش؟
وهل عرفت الأجيال اليمنية المعاصرة ثورة أقيال حجة بقيادة القيل الشهيد الهيصم الحميري؟
سيطر تاريخ قريش، بفرعيه الهاشمي والأموي، على مختلف كتب التاريخ اليمني في مراحل التعليم العام، ابتدائية، إعدادية وثانوية، من الدولة الأموية إلى الدولة العباسية ومن ثم الاستغراق في الحديث عن بطولاتهم وصراعاتهم البينية، إضافة إلى إبراز الكثير من قادتهم والإعلاء من شأنهم أشخاصاً وأحداثاً وأوصافاً..!
مقابل ذلك، كان هناك تجاهل تام للدول اليمنية التاريخية، ورموز التحرر الوطني، وعلى وجه التحديد ثورات أقيال اليمن ضد الدخلاء الأغراب على اليمن وهم كُثُر لا تتسعهم الكُتُب، ومن أبرز أولئك الثوار الملك علي بن الفضل الحميري وعبدالله بن يحيى الحضرمي والهيصم بن عبدالرحمن الحميري وغيرهم الكثير..!
هنا وكمثال على ثائر يماني جسور، يسرد القاضي عبدالله الشماحي، صاحب كتاب (اليمن الإنسان والحضارة)، قصة الثائر اليماني القيل الهيصم بن عبدالرحمن الحميري، الذي ثار على الوجود الإحتلالي للعباسيين الهاشميين في اليمن سنة 174 هـ رافضا إرهابهم ضد شعبه، وكانت ثورته تالية لثورة القيل عبدالله الحضرمي الكندي عام 129 هـ التي انتكست بعد تجييش بني أمية عليها واستشهد في ساحة المعركة دفاعا عن اليمن.
يقول القاضي الشماحي رحمه الله:
"إن حكم الدخيل جعل اليمن في ثورة مستمرة، ففي عام 174 هجرية، أيام هارون الرشيد، ثار القيل الهيصم بن عبدالرحمن الحميري في جبل مسور حجة والتفت حوله القبائل وحارب جنود بني العباس في غير موضع وأنزل بهم شر الهزائم وبسط نفوذه على معظم الجبال الغربية والشمالية كما حكاه الهمداني وغيره، وقد امتدت سلطته إلى تهامة وأطاح بهيبة ولاة بني العباس في اليمن حتى ضعفوا على حفظ الأمن وجباية الضرايب، وانحصرت سلطة الولاة الواهنة في صنعاء.
مما جعل الذعر يتناول هارون الرشيد ببغداد، فأرسل الولاة تباعاً وبعث الجحافل إثر الجحافل ولا يكون نصيبها إلا الفشل، مما دعا هارون الرشيد إلى إرسال (حماد البربري) أحد قواده الكبار في جيش جرار وقال له كلمته الحاقدة 'أسمعني أصوات أهل اليمن'،..!!
وقد تمكن حماد بعد معارك دامية من إخماد الثورة في كثير من البلاد وأخضع تهامة ووصل إلى صنعاء، ولكنه لم يتمكن من التغلب على الهيصم، فاستمد من هارون الرشيد المزيد من المدد، فاستمر الصراع إلى عام 188 هــ حيث تغلب حماد البربري على جبل مسور.
وحاول القيل الهيصم أن ينقل المعركة إلى الشمال، فانتقل إلى بيشة أحد مراكز تهامة الشمالية، فأوقعه القدر أو مؤامرة مع يد خانته في مجتمع الجيوش العباسية فجأة، فصارع حتى وقع في الأسر، وأُرسل مع رفاقه إلى بغداد حيث خرج هارون الرشيد لمشاهدتهم، فضُربت أعناقهم بين يديه، ولم ينجُ إلا واحداً من أصحاب الهيصم كان يجيد الألحان فتخلّص بحفظه بابا غريباً من الأغاني، كما في الأغاني، وبرغم التغلب على ثورة الهيصم، فقد كانت ثورته فاتحة لقيام الدول اليمنية".
من المؤسف أن هذه الثورات الوطنية القومية لأقيال اليمن لم تجد طريقها للوصول إلى عقول اليمنيين، لتجذير روح الانتماء والولاء لليمن، والرفض للغزاة الدخلاء، وإبقاء جذوة الحرية في سبيل استقلال القرار الوطني وطرد المتوردين الدخلاء على اليمن مشتعلة في الأجيال المتعاقبة.