ثمة لاعبون يحتاجون إلى سنوات طويلة كي يلتفت إليهم العالم، وثمة لاعبون تكفيهم لحظة واحدة ليجعلوا العيون تتبعهم، كأن شيئًا ما في حركتهم يقول إن الحكاية لم تبدأ بعد، وإن ما نراه ليس سوى الصفحة الأولى من كتاب لم تُكتب فصوله الأجمل.
عادل عباس واحد من هؤلاء الذين يوقظون في كرة القدم سؤالًا قديمًا: ماذا يحدث حين تسبق الموهبة عمر صاحبها؟
في الثامنة عشرة، لا يزال عادل في مطلع الطريق، لكن اسمه تجاوز حدود البدايات. من حواري كريتر في عدن، حيث تتعلم الكرة كيف تشق طريقها بين الأقدام والأزقة والأحلام، إلى قمصان المنتخبات الوطنية، وصولًا إلى الملاعب السعودية، أخذت الحكاية تتسع، وكأن ذلك الفتى الذي بدأ يطارد الكرة في شوارع مدينته لم يكن يطارد كرة فحسب، بل كان يلاحق احتمالًا بعيدًا بأن يصبح يومًا ما شيئًا يستحق أن يُروى.
والآن، صار يُروى.
عادل عباس.. أو حين تصبح القدم اليسرى فكرةً لا مجرد قدم.
في كرة القدم، هناك فرق بين من يلمس الكرة ومن يحاورها. الأول يبحث عن الطريق الأقصر إلى زميله، والثاني قد يبحث عن طريق لم يفكر فيه أحد. هناك لاعب يرى المدافع عقبة، وآخر يراه سؤالًا؛ وبين السؤال والإجابة تولد المراوغة، تلك اللحظة التي يتأخر فيها عقل الخصم نصف ثانية عن حركة القدم، فتبدو المسافة بينهما أطول من الملعب كله.
ذلك هو السحر الذي يجعل الجمهور يعشق أصحاب اللمسات الخاصة. ليس لأنهم يربحون كل مواجهة، بل لأنهم يقنعوننا، ولو لثوانٍ، بأن كرة القدم أوسع من الخطوط المرسومة على العشب، وأن في وسع لاعب واحد أن يفتح في المباراة نافذة لم تكن موجودة قبل أن تصله الكرة.
وعادل، الذي عُرف صانعَ ألعابٍ وموهبةً هجوميةً يسارية القدم، بدأ يلفت الأنظار منذ بطولات الناشئين، حين كان يحمل قميص اليمن ويشارك في كتابة فصول من فرحة طال انتظارها. ثم جاء تتويجه مع منتخب الناشئين ببطولتي غرب آسيا عامي 2021 و2023، ونيله جائزة أفضل لاعب في نسخة 2023، ليصبح الأمر أكبر من انطباع عابر عن فتى يجيد اللعب.
كانت الموهبة تضع توقيعها.
لكن الحكاية لا تتعلق بالكؤوس وحدها. فالكأس قطعة من المعدن، مهما علت قيمتها، أما ما يتركه اللاعب في ذاكرة الناس فشيء آخر تمامًا. قد ينسى المشجع نتيجة مباراة، وقد تختلط عليه أسماء المسجلين، لكنه يتذكر تلك اللمسة التي جعلته ينهض من مقعده، أو تلك الكرة التي مرت من حيث لم يكن يتوقع، أو ذلك الهدف الذي أعاد إليه شعورًا افتقده طويلًا.
ولعل أجمل ما تمنحه كرة القدم لبلد متعب مثل اليمن ليس انتصارًا في جدول الترتيب فقط، بل لحظة يشعر فيها الناس أنهم يتشاركون فرحًا واحدًا، رغم كل ما تفرقهم فيه الحياة.
هنا، تتجاوز حكاية عادل حدود اللاعب نفسه.
إنه فتى يمني يحمل على كتفيه قميصًا أثقل من قماشه؛ قميصًا ترتبط به أحلام جماهير اعتادت أن تنتظر من كرة القدم نافذة صغيرة للفرح. وحين يسجل لاعب من هذا البلد هدفًا، فإن الكرة لا تعبر خط المرمى وحده؛ إنها تعبر، ولو للحظة، إلى بيوت ومقاهٍ وشوارع يتجمع فيها الناس حول أمل واحد.
وليس من الضروري أن نحمّل عادل مسؤولية أحلام وطن كامل، أو أن نطالبه بأن يكون منقذًا لكل شيء. يكفيه أن يكون لاعبًا يواصل التعلم، ويصون موهبته بالعمل، ويمنح تلك الأحلام سببًا جديدًا كي تستمر.
فالنجومية ليست أن تتقدم على عمرك في مباراة، بل أن تستطيع، عامًا بعد عام، أن تتقدم على نسختك السابقة من نفسك.
وهنا تكمن أصعب المباريات؛ لا تلك التي يخوضها عادل أمام مدافع يراقبه، بل تلك التي يخوضها أمام التوقعات التي تصنعها الجماهير حول اسمه. فكلما ارتفع صوت الإعجاب، صار الطريق أكثر احتياجًا إلى الهدوء. وكلما ازدادت الأضواء، ازدادت الحاجة إلى العمل بعيدًا عنها.
الموهبة تفتح الباب، لكنها لا تقطع الطريق بدل صاحبها.
ولعل هذا ما يجعل حكاية عادل مثيرة للاهتمام: أننا لا ننظر إلى لاعب اكتملت قصته، بل إلى لاعب لا تزال أمامه صفحات واسعة. لا نكتب عنه باعتباره نهاية حلم، بل باعتباره بداية تستحق المتابعة. فالأجمل من أن نرى موهبة تلمع، أن نراها تنضج؛ والأجمل من أن نصفق للاعب في لحظة تألق، أن نراه يتعلم كيف يحافظ على ذلك التألق حين تتغير الملاعب والخصوم والظروف.
ثم جاءت لحظات أخرى، في بطولات الخليج، لتمنح الحكاية صورًا جديدة. وفي خليجي 27، الذي أُقيم في جدة عام 2026، حصد عادل جائزة أفضل لاعب واعد، وترك هدفه أمام البحرين مشهدًا إنسانيًا تجاوز حدود المستطيل الأخضر؛ إذ التقطت الكاميرات دموع طفلة يمنية كانت تحتفل بانتصار منتخب بلادها.
يا لها من صورة!
كرة تعبر إلى الشباك، وطفلة تبكي فرحًا، وبلد بأكمله يجد في لحظة رياضية ما يستحق أن يبتسم له. لم تكن الدموع إحصائية في تقرير المباراة، ولم تكن جزءًا من خطة المدرب؛ كانت شيئًا لا تستطيع الأرقام تسجيله بدقة: مقدار الفرح الذي يمكن أن تمنحه كرة واحدة حين تصل إلى قلب ينتظرها.
وربما كان ذلك أجمل ما يمكن أن تفعله كرة القدم: أن تجعل هدفًا واحدًا أكبر من صاحبه، وأن تمنح لاعبًا شابًا فرصة لأن يرى أثر موهبته في وجوه لا يعرف أسماء أصحابها.
أما عادل، فما زال في بداية الرحلة.
لا يحتاج إلى أن يكون ميسي آخر، ولا نسخة من أي لاعب آخر. المقارنات قد تكون وسيلة سهلة لإشعال الحماس، لكنها أحيانًا تسرق من اللاعب أجمل ما يملك: حقه في أن يكون نفسه. فلكل موهبة لغتها، ولكل لاعب طريقته في مصادقة الكرة، ولكل حكاية نكهتها التي لا يمكن استنساخها.
عادل لا يحتاج إلى أن يصبح ظلًا لعبقري سبقَه؛ يحتاج إلى أن يمنح موهبته الوقت حتى تكتشف شكلها الكامل.
أن يتعلم متى يراوغ ومتى يمرر، متى يسرّع الإيقاع ومتى يهدئه، وكيف يحوّل اللمحة الجميلة إلى قرار صحيح. أن يعرف أن القدم اليسرى التي تصنع الدهشة تحتاج إلى عقل يقرأ الملعب، وإرادة تتحمل مشقة التطور، وشخصية تعرف كيف تقف بعد كل تعثر.
عندها فقط، لن تكون الموهبة مجرد ومضة تضيء ثم تختفي، بل نورًا يعرف كيف يستمر.
وإذا كان لنا أن نتمنى لعادل شيئًا، فليس أن يصبح أسطورة غدًا، بل أن يمنحه الغد فرصة أخرى ليصبح أفضل مما كان عليه اليوم. أن تتسع له الملاعب، وأن يجد من يؤمن به دون أن يثقل خطواته بالتوقعات، وأن يظل جائعًا إلى التعلم بقدر ما هو متعطش إلى الانتصار.
فالأسماء الكبيرة لا تصنعها الألقاب وحدها، بل تصنعها السنوات التي تلي التصفيق الأول.
وفي نهاية المطاف، قد تختلف الآراء حول لاعب، وقد تتباين الأحكام على مباراة، وقد تتبدل النتائج من ليلة إلى أخرى. لكن هناك شيئًا يستحق الاحتفاء دائمًا: أن يرى بلدٌ موهبةً من أبنائه تكبر أمام عينيه، وأن يشعر بأن الطريق، مهما طال، ما زال قادرًا على أن يفتح بابًا جديدًا للأمل.
من حواري كريتر بدأت الحكاية، وفي الملاعب اليمنية نمت بذورها، ثم اتسعت الدائرة إلى آفاق أبعد.
أما الفصل المقبل، فلا يزال ينتظر صاحبه.
وربما، في يوم قادم، سنشاهد عادل عباس في مباراة كبيرة، وهو يستلم الكرة تحت ضغط خصمين، فيرفع رأسه للحظة، ثم يمررها إلى مساحة لم يرها أحد. عندها سيقفز مشجع من مقعده، وسيبتسم آخر، وسيردد ثالث اسمه بفرح.
وقد لا يعرف أيٌّ منهم أن تلك اللمسة الصغيرة كانت نتيجة سنوات من العمل والتعلم والصبر.
سيكتفون بالقول: يا سلام يا عادل!
وهذا، في كرة القدم، جزء من الحكاية أيضًا.
فبعض اللاعبين يتركون أهدافًا في الشباك، وبعضهم يتركون صورًا في الذاكرة، أما اللاعب الذي ينجح في الجمع بين الاثنين، فيمنح الجمهور سببًا ليحب اللعبة، وسببًا ليؤمن بأن أجمل فصولها قد تكون، دائمًا، هي الفصول التي لم تُكتب بعد.
وعادل عباس، ما زال يملك من العمر ما يكفي ليكتبها.