على قارعة طريق لا يرحم، وأمام واجهات المحال التي يعبرها المئات كل يوم دون التفات، تجلس طفلة لم تتجاوز ربيعها العاشر، تحمل على عاتقها وزراً يثقل كواهل الجبال. بجانبها ينام طفل صغير يلتحف بطانية مهترئة وقطعة كرتون عازلة عن صقيع الأرض، ومهدُه رصيفٌ قاسٍ لا يعرف دفء المنازل ولا أمان الأمهات.
هذه الصورة ليست مجرد لقطة عابرة؛ إنها مرآة حية لوجع اليمن الممتد منذ سنوات الحرب والحصار. هنا، في زوايا المدن، سُرقت البراءة وصودرت مقاعد الدراسة، لتتحول الأيدي الصغيرة التي كان يُفترض أن تمسك بأقلام التلوين والدفاتر إلى أيدٍ تبيع علبة مناديل أو تترقب كسرة خبز تسد رمق يومها.
الطفلة التي تبدو في الصورة وهي تحرس نوم أخيها بنظرات شاردة أنهكها الخوف والانتظار، تلخص حكاية ملايين الأطفال الذين وجدوا أنفسهم فجأة خط الدفاع الأول لعائلات سحقتها الأزمة الاقتصادية، وانهيار العملة، وانعدام الدخل. أطفال باتت أكبر أمنياتهم أن يمر اليوم بوجبة طعام واحدة، أو بليلة دافئة تخلو من برد الشارع ونظرات المارة القاسية.
بينما ينام الصغير مستسلماً لغفوة قد تنسيه وجع الجوع لساعات، تظل الأخت ساهرة تحرس ضعفه، متجردة من طفولتها لتلعب دور الأب والأم والحامي في بلدٍ ترك أطفاله في مهب الريح.
إلى متى يظل الرصيف فراشاً لمن لا ذنب لهم؟ وإلى متى تموت البراءة ببطء وصمت أمام أعين عالم اعتاد المشهد حتى تبلّد؟ إنها صرخة من أعماق الوجع اليمني
تذكرنا بأن الحرب لا تقتل فقط بالقذائف والرصاص، بل تقتل الروح الإنسانية حين تجعل من الطفولة مجرد بقايا حلم ملقىً على قارعة الطريق.