أبعد من كانتونات الأيديولوجيَّة المغلقة . . قرارات محافظ لحج مراد الحالمي الصائبة تعيد الاعتبار لخبرات الوطن المنسيَّة
(( عدن الغد )) ــ بقلم / عيدروس زكي السَّقَّاف *
(( المناصب لا تصنع الرِّجال ، و إنَّما الرِّجال الهُدَاة ، هم الذين يصنعون للمناصب بهاءها )) .
إن إسناد المسؤوليات القيادية في مفاصل الدولة ، لم يعد ترفاً إدارياً ، بل هو استحقاق وطني مصيري ، يَجْدُر أن يقوم على أربعة أركان راسخة : المؤهلات العلمية المتبصِّرة ، و الخبرات العمليَّة المتراكمة ، و النزاهة المجرَّدة ، و القدرة الفذَّة على تحمُّل أعباء المسؤولية ، بعيداً عن حسابات الاستقطاب السِّياسي الضَّيِّق ، و المحاصصات الشَّخصيَّة العابرة ، و في هذا السِّياق الرَّشيد ، تأتي القرارات الصَّائبة و التَّرشيحات السَّديدة ، التي رفعها في الآونة الأخيرة ، معالي الأستاذ مراد علي محمَّد الحالمي ، محافظ محافظة لحج ، رئيس المجلس المحلي للمحافظة ، حفظه الله و رعاه ، إلى رئاسة مجلس القيادة الرئاسي ، و رئاسة مجلس الوزراء ، لعدد من الكفاءات الوطنية المقتدرة لتولي مناصب وكلاء محافظة لحج لشؤون المديريات ، و التنمية ، و الشَّباب .
إذ أن هذه الاختيارات لم تأتِ من فراغ ، و إنَّما استندت إلى أرصدة أكاديمية مرموقة ، و سِجلاَّت مهنيَّة رفيعة ، تضم قامات تحمل مراتب علميَّة عالية ، منها درجة الماجستير في علم الاجتماع من جامعة صوفيا بجمهورية بلغاريا الصديقة ، التي نالها الأستاذ حسن علي أحمد كَنْدَش ، وكيل محافظة لحج لشؤون المديريات ، و الدكتوراة في اللغة الإنجليزية ، و يحوزها الأستاذ بجامعتي عدن و لحج الدكتور عبد الكريم فضل محمود قائد ، وكيل محافظة لحج لشؤون التنمية ، إلى جانب الطَّاقة الفتِيَّة و الخبرة الرَّصينة و الحيوية الشَّبابيَّة التي يجسِّدها الأستاذ فريد محمَّد صالح العطفي ، وكيل محافظة لحج لشؤون الشَّباب ، و ذلك بغية توظيف هذه الطَّاقات الفكريَّة و المعرفيَّة في خدمة محافظة لحج و أهلها الأوفياء .
و تكتسب هذه التَّرشيحات أهميتها الاستراتيجية من كونها تعيد الاعتبار للخبرات الوطنية المؤهَّلة في مرحلة حرجة و مفصليَّة ، مرحلة تحتاج فيها محافظة لحج ، إلى كوادر تمتلك البصيرة و المعرفة و التَّجربة العملية للتَّعامل مع أعقد الملفَّات المحلية ، و التنموية ، و الشبابية ، فالمعيار الأوحد الذي يجب أن يتقدَّم في ساحة الاختيار هو ما يمتلكه المرشَّح من قدرة فعليَّة على الإنتاج و الإنجاز ، و ما يتحلَّى به من أمانة و تجرُّد .
و حين نمعن النَّظر في طبيعة المؤهَّلات الأكاديمية في علم الاجتماع ، نجد أنها تتَّصل وشائج قربى وثيقة بخبرات ميدانية في إدارة الشؤون الاجتماعية و العمل ، و معالجة الملفَّات التنموية و المحلية ، فقد سبق لنخبة من المختصِّين في هذا الحقل تولي مواقع قيادية حسَّاسة ، من أمثال الوكيل الأستاذ حسن علي أحمد كَنْدَش ، الذي شغل مسبقاً منصب المدير العام لمكتب وزارة الشؤون الاجتماعية و العمل بمحافظة لحج ، ثم مقعد المدير العام لمكتب محافظ محافظة لحج سابقاً ، فضلاً عن تجربته المتميِّزة في العمل بالصندوق الاجتماعي للتنمية ، ذلك الصَّرح المؤسَّسي الحكومي العريق المعني ببرامج التنمية المستدامة ، و هذه التجارب المتنوِّعة تمثِّل رصيداً مهنيَّاً لا يُقَدَّر بثمن ، إذ تمنح صاحبها فهماً عميقاً لطبيعة النَّسيج المجتمعي ، و احتياجاته الملحَّة ، و آليات العمل المؤسَّسي المُحْكَم .
و لا يقف وزن هذه الكفاءات عند حدود الشَّهادات الورقية ، أو السِّجلات الوظيفية فحسب ، بل يمتد بعيداً ليتلاحم بالاندماج العضوي في المجتمع و الارتباط الحيوي بقضاياه اليومية ، فهم ليسوا برجوازيين مترفِّعين يعيشون في أبراج عاجية بعيداً عن هموم النَّاس ، و إنَّما تجمعهم بالشَّارع صلات اجتماعية حميمة ، و معرفة مباشرة بنبض محافظة لحج و تحدِّياتها اليومية ، هذا القرب الحقيقي يمنح المسؤول رؤية ثاقبة ، و بصيرة نافذة تضع الأولويات في نصابها الصحيح ، و تجعل معالجة الملفَّات نابعة من واقع احتياجات المواطنين ، لا من خلف جدران المكاتب المغلقة وحدها .
و فوق هذا و ذاك ، لا يصح أبداً أن تتحوَّل الانتماءات السِّياسيَّة السابقة ، التي قد يرتبط بها بعض الأفراد في مراحل تاريخية معيَّنة ، إلى " صك غفران " دائم ، أو سبب إقصائي يحول دون الاستفادة من طاقاتهم و خبراتهم ، قد فرضت ظروف الأنظمة و المعادلات السِّياسيَّة في فترات مضت واقعاً معقَّداً لم تكن الخيارات فيه متاحة للجميع بالقدر ذاته ، مما يستوجب قراءة تلك الخلفيات في إطارها التاريخي و الزمني ، لا اتخاذها معياراً منفرداً لتقييم كفاءة الأشخاص اليوم ، فالانتماء السِّياسي الماضي ، لا يكفي قط وحده للحكم على أهلية الإنسان للمسؤولية ، طالما أن المؤهَّلات العلميَّة ، و الخبرة الميدانيَّة ، و النَّزاهة ، و السِّيرة المهنيَّة ، و القدرة على الإنجاز ، هي المعايير الأجدر و الأكثر عدالة بالاعتبار ، أما الأخطاء ، أو التَّجاوزات المحدَّدة ، إن وُجِدَت ، فتُخضع للمساءلة وفقاً لأدلتها و الإجراءات القانونيَّة الموضوعيَّة ، بعيداً عن التعميم الجائر أو الإقصاء المسبق .
إن محافظة لحج اليوم ، بحاجة ماسَّة إلى استنهاض كل طاقاتها ، و الاستفادة القصوى من أبنائها الأكفاء الذين راكموا المعرفة و التَّجربة عبر السِّنين ، خصوصاً في مجالات إدارة المديريات ، و قيادة التنمية ، و رعاية قضايا الشباب ، فهذه الملفَّات الإستراتيجيَّة ، لا تحتمل التَّجريب العشوائي ، بل تتطلَّب مسؤولين يمتلكون القدرة على تشخيص المشكلات بدِقَّة ، و تحديد الأولويات بذكاء ، و التَّواصل الفعَّال مع السلطات المحليَّة و المجتمع ، و متابعة القضايا ، حتى تلامس أيدي المواطنين نتائج ملموسة و واقعيَّة .
و في المقابل ، فإن تسيير المواقع القيادية بمنطق العلاقات الشخصية ، أو الولاءات الضَّيِّقة ، أو المجاملات ، و دون اعتبار لمتطلَّبات المنصب و كفاءة الشَّاغل ، هو معول هدم يضعف العمل المؤسَّسي ، و يقدِّم الاعتبارات الخاصة الذَّاتيَّة ، على مصلحة الوطن العليا ، فالمناصب العامة أمانات ثقيلة و مسؤوليات جسام ، و ليست مكافآت تُمْنَح على حساب الكفاءة ، و لا هي مواقع تشريفيَّة ، تتنافى مع مؤهَّلات من يتولَّونها .
صحيح أن الخبرة بمفردها ، لا تكفي استحقاقاً مطلقاً للمنصب ، بمعزل عن النَّزاهة ، كما أن الشَّهادات العلميَّة النَّظريَّة ، لا تُغني سواها ، عن القدرة الميدانيَّة على العمل و الإنجاز ، غير أن الاختيار السليم ، هو ذاك الذي يُقِيم موازنة دقيقة و عادلة بين التَّأهيل الأكاديمي ، و التَّجربة العمليَّة ، و مقتضيات المسؤوليَّة ، و من هنا ، فإن أي تقييم منصف للمرشَّحين ، ينبغي أن يرتكز على معايير شفَّافة و عادلة ، تُتِيْح كل صاحب كفاءة ، الفرصة الكاملة لإثبات جدارته في خدمة المواطن .
إن المناصب الحقيقيَّة ، هي التي تتشرَّف بالرِّجال الأكفياء الذين يتولَّونها عن جدارة و اقتدار ، لا العكس ، فالمواقع القياديَّة تفقد بريقها إن فرغت من مضامينها ، و تستمد قيمتها الأصيلة من علم أصحابها ، و نقاء سريرتهم ، و بصماتهم النافعة التي يتركونها خلفهم ، و ليس من الحكمة في شيء أن نُهْدِر طاقات مُغيَّبة مُهمَّشة ، و خبرات منسيَّة متروكة ، مجرَّد أن ظروفاً سياسية قد تجاوزها الزَّمن قد طَوَت صفحاتها ، في وقت تئن فيه مؤسسات الدولة و تتطلَّع إلى كل جهد و طني قادر على حمل الأمانة .
و ترنو محافظة لحج ، بشغفٍ و أملٍ ، أن يواصل معالي الأستاذ مراد علي محمَّد الحالمي ، محافظ محافظة لحج رئيس المجلس المحلي للمحافظة ، نَصَرَه الله و سدَّد سرمداً على كل دروب الخير خُطَاه ، نهجه المؤسَّسي الحكيم ، في إفساح المجال أمام الكفاءات الوطنية الخالصة ، عبر ترشيح المزيد منها لشغل مناصب وكلاء محافظة لحج ، و تطعيم المكاتب التنفيذية بالمحافظة ، و مديريات المحافظة ، بدماء إدارية جديدة مؤهَّلة تأهيلاً علميَّاً و عمليَّاً ، تتسلَّح بالنَّزاهة و القدرة على تحمُّل المسؤولية ، فالمحافظة ، اليوم ، في أمسِّ الحاجة إلى تعزيز صفوف إداراتها ، و الاستفادة القصوى من طاقات أبنائها ، لتصل الكفاءات الحقيقيَّة ، إلى مواقع صنع القرار بما يتناسب و قدراتها ، فتغدو خدمة المواطنين ، و اجتثاث الفساد ، و إعلاء شأن المصلحة العامة ، هي البوصلة و الأساس ، لكل قرار و اختيار .
فالأوطان أوسع بكثير من الكانتونات الأيديولوجيَّة المغلقة على أهوائها ، و من الاعتبارات الفئوية المنكفئة حول ذواتها ، فيما تظلُّ موازين الكفاءة ، و الخبرة ، و العطاء المخلص ، هي دون غيرها ، الفيصل القاطع ، و المعيار الأجدر ، لتولِّي المسؤولية ، فالمناصب الفانية ، لا تصنع قيمة لأصحابها ، و إنَّما هم الأوفياء المقتدرون ، الذين يمنحونها بجهودهم و عرقهم شرف المكانة ، و سمعة الأثر .
(( من ضاقت عيناه بتراب الأيديولوجيَّة ، عَمِيَت بصيرته عن اتساع الوطن )) .
* المدير العام لمكتب وكالة الأنباء اليمنية (( سبأ )) بمحافظة لحج