آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-04:26م
أخبار وتقارير

المضاربة تحت النار: مليشيات الحوثي تحيل المرافق الصحية في لحج إلى أهداف مستباحة

الإثنين - 02 نوفمبر 2026 - 03:16 م بتوقيت عدن
المضاربة تحت النار: مليشيات الحوثي تحيل المرافق الصحية في لحج إلى أهداف مستباحة
تقرير / معين اللولي

في زمن تئن فيه البلاد تحت وطأة أزمات إنسانية معقدة، وتتسابق الضمائر الحية حول العالم لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء والشفاء للمواطنين، تسير مليشيات الحوثي في اتجاه معاكس لكل القيم والأعراف الدينية والأخلاقية والقانونية. وما تشهده مديرية "المضاربة ورأس العارة" بمحافظة لحج يعكس صورة صارخة لسياسة تدمير ممنهجة تتعرض لها البنية التحتية الطبية، حيث تحولت المرافق الصحية من ملاذات آمنة لبلسمة الجراح وإنقاذ الأرواح، إلى أهداف عسكرية ومستباحة لنيران وبطش هذه المليشيات.

​استهداف الملاذ الأخير.. صرخة بلا صدى ومأساة "السقياء"

​لم تكن المستشفيات والمراكز الصحية في مديرية المضاربة مجرد جدران خرسانية تقدم خدمات روتينية، بل كانت الشريان الحيوي الوحيد الذي يغذي آمال آلاف السكان المحليين، لا سيما في المناطق النائية والقرى التي تعاني أصلاً من وعورة التضاريس وشح الخدمات.

​لكن هذا النبض الإنساني تعرض لضربات موجعة وممنهجة؛ ولعل أبشع صورها ما خلّفته الاعتداءات الإجرامية الأخيرة، وتحديداً الاستهداف الصاروخي المباشر الذي طال مجمع "السقياء" الصحي (أو الوحدة الصحية بمنطقة السقية) في المديرية، والذي أسفر عن سقوط شهداء وجرحى في صفوف المدنيين والمرضى والأطقم الطبية. إن هذا الهجوم الغاشم يثبت مجدداً أن آلة الحرب الحوثية لا توفر حتى المرضى على أسرّة الشفاء ولا الكوادر التي ترعاهم.

​أصبحت النساء الحوامل، والأطفال، ومرضى الأمراض المزمنة، وكبار السن في المضاربة، في مواجهة مباشرة مع خطر الموت ليس فقط بسبب المرض، بل نتيجة غياب الرعاية الطبية التي دمرتها أو أغلقتها صواريخ وقذائف المليشيات.

​تداعيات كارثية على حياة المدنيين

​تخلف هذه الاعتداءات والانتهاكات المتكررة آثاراً كارثية لا يمكن حصرها في أرقام جافة، بل تمتد لتطويق حياة المجتمع بأسره في مناطق الصبيحة:

​انهيار المنظومة الإسعافية: خروج المراكز الصحية الحيوية عن الخدمة أجبر المرضى على قطع مسافات شاقة وطويلة عبر طرق وعرة للوصول إلى أقرب مستشفى خارج المديرية، مما يؤدي غالباً إلى تفاقم الحالات الصحية ووفاة العديد من الجرحى والمرضى في الطرقات.

​حرمان الفئات الأكثر ضعفاً: توقف الوحدات الصحية والوحدات الإسعافية يعني حرمان الأطفال من لقاحات التحصين الأساسية، مما ينذر بعودة أوبئة وأمراض قاتلة كانت قد انحسرت في السابق.

​تهجير الكوادر الطبية: أدى انعدام الأمن واستمرار التهديدات المباشرة والقصف المستمر للقطاع الصحي إلى خلق فراغ مهول وعزوف الأطباء والممرضين عن أداء رسالتهم الإنسانية في المنطقة.

​جريمة حرب مكتملة الأركان

​إن تعمد استهداف المرافق الصحية وتدميرها، أو تعطيل عملها بالقوة، لا يُعد مجرد انتهاك عابر، بل يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وجريمة ضد الإنسانية وفقاً لكل المواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف الرابعة التي تحرم بوضوح المساس بالمستشفيات والكوادر الطبية ووسائل النقل الإنساني في زمن النزاعات.

​إن استمرار هذا الصمت الدولي والمحلي إزاء ما يتعرض له القطاع الصحي في مديرية المضاربة ورأس العارة يمنح المليشيات مزيداً من الضوء الأخضر لمواصلة انتهاكاتها بحق الأرواح البريئة.

​نداء عاجل وواجب الضمير

​أمام هذه المأساة المستمرة، لم يعد ممكناً السكوت أو الاكتفاء بإصدار بيانات الإدانة. إننا نطلق نداءً عاجلاً ومخلصاً إلى كل الجهات المعنية:

​للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية: الضغط الجاد والفوري لإلزام المليشيات بتحييد القطاع الصحي، وتجريم أي اعتداء على المنشآت الطبية أو العاملين فيها في مديرية المضاربة وعموم مناطق اليمن.

​للحكومة الشرعية والجهات الرسمية: إيلاء مديرية المضاربة أولوية طارئة، وإعادة تأهيل مجمع السقياء والمراكز المتضررة، وتوفير الحماية والدعم اللازم لتشغيلها وتخفيف معاناة الأهالي.

​للصوت الإعلامي والحقوقي: توثيق هذه الانتهاكات السافرة وفضحها في المحافل كافة، حتى لا تضيع حقوق الضحايا، وحتى يدرك الجميع حجم المعاناة الإنسانية القاسية التي يعيشها أبناء المضاربة بصمت.

​إن حماية مستشفى أو مركز صحي في قرية نائية بالمضاربة اليوم، هي حماية لحق الإنسان الأساسي في الحياة.. فهل من مجيب لنداء الإنسانية والوجدان؟