آخر تحديث :السبت-31 أكتوبر 2026-11:18ص
أخبار وتقارير

كيف حوّل الحوثي مناطق سيطرته إلى وقود للحرب؟ مقابر تتسع وأسر تواجه مستقبلًا بلا معيل

السبت - 31 أكتوبر 2026 - 10:45 ص بتوقيت عدن
كيف حوّل الحوثي مناطق سيطرته إلى وقود للحرب؟ مقابر تتسع وأسر تواجه مستقبلًا بلا معيل
المصدر: صحيفة عدن الغد – القسم السياسي


حين تصبح الجنازات جزءًا متكررًا من المشهد اليومي، وتطغى دعوات التحشيد على مطالب الرواتب والعمل والخدمات، فإن المشكلة تتجاوز خسائر المعارك إلى طبيعة السلطة التي تدير المجتمع، والأولويات التي تفرضها على سكانه. وفي المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا أبقت سنوات التعبئة والحرب للناس من فرص الحياة، وماذا سيجدون حين يتوقف إطلاق النار ويبدأ الحساب الحقيقي للخسائر؟


تنطلق هذه القراءة في صحيفة عدن الغد من أن أخطر ما تفعله سلطة مسلحة بمجتمعها هو تحويله إلى مورد دائم لمعركة لا يملك قرارها. يصبح الشباب احتياطيًا للجبهات، وتصبح موارد السكان وسيلة لتمويل الاستمرار فيها، وتتحول المؤسسات من أدوات لخدمة المواطنين إلى أجهزة لتنظيم الولاء والتعبئة. وعند هذه النقطة، لا تعود الحرب حدثًا طارئًا يعطل الحياة، بل تصبح هي النشاط الذي تُعاد صياغة الحياة كلها لخدمته.


هنا يمكن فهم معنى غياب الدولة. فقد تبقى الوزارات والمكاتب واللافتات والأختام، لكن الدولة بوصفها مسؤولية عن راتب الموظف، وتعليم الطفل، وعلاج المريض، وحماية حق المواطن في العمل والاعتراض، تتراجع أمام سلطة ترى أن واجب المجتمع الأول هو الاستجابة لحاجات المعركة. يتقدم سؤال: كم مقاتلًا يمكن إرساله؟ ويتأخر سؤال: كم أسرة تستطيع أن تعيش بكرامة؟


ومع استمرار هذا الاختلال، يصبح اتساع المقابر تعبيرًا عن انكماش المستقبل. فكل شاب يُقتل كان يمكن أن يكون عاملًا أو مزارعًا أو معلمًا أو صاحب مشروع، وكل أسرة تفقد أحد أبنائها تفقد معه جزءًا من قدرتها على الاحتمال والإنتاج. وهذه خسارة لا تظهر كاملة في البيانات العسكرية، لأن البيان يحصي من غاب عن الميدان، بينما المجتمع يعيش أثر من غاب عن البيت.


أما رقم تجاوز عشرين ألف قتيل في المعارك الأخيرة، فلا تتوافر لهذه القراءة حصيلة مستقلة تثبته، ولا يصح الخلط بين أعداد القتلى والجرحى أو أرقام الاستهدافات وعبارات «التحييد». ويزداد الغموض مع غياب بيانات شاملة؛ إذ نقلت تقارير صحفية عن منظمة الصحة العالمية أن بيانات مناطق سيطرة الحوثيين غير متاحة لها ولشركائها. ومن ثم، تبقى الحصيلة الدقيقة بحاجة إلى توثيق، دون أن يلغي ذلك السؤال عن الكلفة الاجتماعية المتراكمة للحرب. المصدر أونلاين


والأهم سياسيًا أن قيمة الإنسان لا ترتفع أو تنخفض بحسب حجم الرقم النهائي. فالمأساة تبدأ من الأسرة الأولى التي تفقد معيلها، وتتضاعف حين يتحول الفقد إلى ظاهرة واسعة تعجز شبكات التكافل والخدمات عن استيعابها. وإذا كانت الحسابات العسكرية تركز على قدرة الجماعة على تعويض المقاتلين، فإن الحساب الاجتماعي ينبغي أن يسأل عن قدرة الأسر على تعويض الآباء والأبناء، وهي قدرة لا تملكها مهما امتلكت من صبر.


لقد جعل منطق التعبئة المستمرة بقاء الجماعة في حالة حرب مبررًا لتأجيل الأسئلة التي تُحاسب عليها أي سلطة. لماذا لا تتوفر فرص العمل؟ لماذا تتراجع الخدمات؟ أين تذهب الموارد؟ ومتى يصبح للمواطن حق في حياة مستقرة؟ في ظل هذا المنطق، تستطيع السلطة تقديم المطالبة بالحقوق بوصفها انشغالًا عن المعركة، أو إحراجًا لها في توقيت لا تختاره هي للمساءلة.


وهكذا تتكون دائرة سياسية مغلقة: الحرب تبرر تأجيل الحقوق، وتأجيل الحقوق يوسع الفقر، والفقر يضيق البدائل أمام الشباب، وضيق البدائل يجعل التجنيد أكثر قدرة على استقطابهم. وليس معنى ذلك أن كل من التحق بالجبهات فعل ذلك للسبب نفسه؛ فالدوافع تختلف بين القناعة والضغط والحاجة والبيئة الاجتماعية. لكن أي تحليل جاد لا يستطيع تجاهل أن الشاب الذي تتوفر أمامه فرص التعليم والعمل يملك هامش اختيار أوسع من شاب حاصرته البطالة وانسدت أمامه أبواب الرزق.


حين تصبح البندقية أقرب من الوظيفة، يكون المجتمع قد تعرض لاختلال عميق في توزيع الفرص. وحين يجد الشاب من يتكفل بنقله إلى الجبهة، ولا يجد من يساعده على إكمال تعليمه أو بدء عمل صغير، فإن السلطة تكون قد كشفت عمليًا عن المجال الذي تريد استثمار طاقته فيه. النتيجة هي استهلاك القوة البشرية التي يحتاجها أي تعافٍ اقتصادي قادم.


ولا تقف الخسارة عند المقاتل الذي يُقتل. فالأسرة قد تكون أنفقت ما لديها في علاجه قبل وفاته، أو تحملت تكاليف الانتقال والبحث عنه، أو باعت أصلًا صغيرًا كانت تعتمد عليه. وقد يخلف غيابه ديونًا والتزامات لم تكن ظاهرة في صورة التشييع. وبعد انقضاء مراسم العزاء، تبدأ معركة مختلفة لا تحظى بالاهتمام نفسه: إيجار المنزل، والغذاء، والدواء، ورسوم الدراسة، ومتطلبات الأطفال.


هنا يظهر التفاوت القاسي بين حضور الأسرة في خطاب التعبئة وحضورها في حسابات الرعاية. تستطيع الدعاية أن ترفع صورة القتيل وأن تمنحه مكانة رمزية، لكنها لا تستطيع بالصورة وحدها أن تضمن تعليم أطفاله أو علاج والدته أو استقلال أسرته اقتصاديًا. التكريم الذي لا يتحول إلى حقوق مستدامة يترك البيت أمام حاجاته نفسها، بعدما يكون قد فقد أحد أهم مصادر قوته.


وعندما تضع الحرب أوزارها، ستواجه آلاف النساء ممن فقدن أزواجهن مسؤوليات معيشية واجتماعية مضاعفة. بعضهن سيضطررن إلى دخول سوق العمل في ظروف قاسية، وبعضهن سيجدن أنفسهن أمام ديون أو نزاعات على الحقوق أو صعوبة في الوصول إلى الخدمات. ولن يكون من الإنصاف اختزال هؤلاء النساء في صورة العجز؛ فهن قادرات على العمل وإعادة بناء حياتهن، لكن القدرة تحتاج إلى فرص وحماية ومؤسسات، لا إلى مديح الصبر وحده.


والأطفال الذين يفقدون آباءهم لن يعيشوا الفقد بالطريقة نفسها. يستطيع كثيرون مواصلة تعليمهم وبناء مستقبلهم إذا وجدوا الرعاية والاستقرار. غير أن تركهم للفقر والانقطاع عن المدرسة والعمل المبكر يفتح مسارًا آخر تتوارث فيه الأسرة خسائر الحرب. وعندئذ تصبح وفاة الأب بداية لسلسلة طويلة من الحرمان، تمتد من الدخل إلى التعليم، ومن التعليم إلى فرص العمل والحياة.


ومن أخطر ما قد يترتب على ذلك أن تتحول حاجة أبناء القتلى إلى مدخل لتعبئة جيل جديد. فالطفل الذي يفقد أباه يحتاج إلى حماية حقه في اختيار مستقبله، لا إلى تحميله واجب مواصلة المعركة التي أخذت والده. وأي خطاب يجعل الوفاء للميت مرادفًا للسير في طريق موته يعيد إنتاج المأساة بدل معالجة أسبابها.


أما الجرحى، فهم الوجه الذي قد يبقى حاضرًا لعقود بعد صمت المدافع. فالإصابة قد تتطلب عمليات متكررة، وتأهيلًا حركيًا، وأطرافًا صناعية، ودعمًا نفسيًا، وتعديلًا في طبيعة العمل والسكن والتنقل. وقد تتحمل الأسرة هذه المسؤوليات في وقت تكون فيه قد فقدت دخل المصاب وأنفقت مدخراتها على علاجه.


ولا تكمن المشكلة في أن الإصابة تسلب الإنسان قيمته أو تجعله عاجزًا بالضرورة عن الإنتاج؛ فكثير من المصابين يستطيعون العمل والتعلم والمشاركة الكاملة متى توفرت لهم الرعاية والفرص. المشكلة تنشأ حين تُترك إصابات الحرب بلا علاج كافٍ، ويُترك أصحابها أمام بيئة تستبعدهم من العمل والخدمات. عندها تضيف المؤسسات الغائبة حرمانًا اجتماعيًا إلى الضرر الجسدي.


ومن هذا الباب يمكن الحديث عن تعطيل قدرة المجتمع على التعافي: خسارة في القوى العاملة، وأسر مثقلة بالرعاية والديون، وأطفال مهددون بالانقطاع عن التعليم، ومؤسسات عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الحماية. إن المجتمع هنا مجروح في قدراته وشروط حياته، وليس محكومًا عليه بالعجز أو فقدان المستقبل.


وتزداد الكلفة حين ينكمش الاقتصاد المدني لصالح الإنفاق المرتبط بالحرب. فالمال الذي يذهب إلى استمرار التعبئة لا يبني مشروعًا إنتاجيًا في الوقت نفسه، والوقت الذي يقضيه الشاب في الجبهة لا يمنحه سنوات التدريب والخبرة التي كان يمكن أن يكتسبها في عمله. ومع تكرار هذه الخسارة على نطاق واسع، تتآكل قدرة المدن والقرى على خلق موارد جديدة.


وحتى الأسر التي لا تفقد أحد أفرادها في القتال لا تبقى بمنأى عن هذا المسار. فهي تعيش في سوق أضعف، وتواجه خدمات أكثر ضغطًا، وتتحمل أعباء مساعدة الأقارب والجيران المتضررين. وفي البداية تستطيع الروابط العائلية امتصاص جزء من الصدمة، لكن اتساع الحاجة وتراجع دخول القادرين على المساعدة قد يستنزفان هذه الروابط ماديًا، مهما بقيت قوية معنويًا.


بهذا المعنى، لا توزع الحرب خسائرها على البيوت بالتساوي، لكنها تنقل آثارها تدريجيًا إلى الجميع. يفقد بيت معيله، ويفقد آخر زبائنه، وثالث مدخراته، ورابع فرصة تعليم أحد أبنائه. ثم تبدو البلدة كلها أقل قدرة على الحركة، لأن ما أصاب كل أسرة على حدة يتحول إلى ضعف عام في الاقتصاد والخدمات والتكافل.


وتتحمل ميليشيا الحوثي، بوصفها سلطة الأمر الواقع في مناطق سيطرتها، مسؤولية خياراتها في إدارة الموارد والتحشيد والتعامل مع السكان. فامتلاك قرار التعبئة يفرض مسؤولية عن نتائجه، والسيطرة على مؤسسات المجتمع لا تمنح صاحبها حق مطالبة الناس بالتضحية إلى ما لا نهاية دون مساءلة عن مصيرهم.


كما أن تقديم استمرار الجماعة بوصفه مرادفًا لبقاء المجتمع يطمس الفرق بين مصلحة التنظيم ومصلحة السكان. يستطيع المجتمع أن يعيش بالتعليم والعمل والتجارة والتعدد السياسي، بينما قد ترى قيادة مسلحة أن انفتاح هذه المجالات يقلل اعتماد الناس عليها. وهنا يظهر أحد أعمق تناقضات سلطة الحرب: ما يحتاجه المواطن كي يستقل بحياته قد يتعارض مع ما تحتاجه السلطة لإدامة نفوذها عليه.


ولا يجوز في المقابل الخلط بين سكان مناطق سيطرة الحوثيين وبين قيادة الجماعة. فوجود الإنسان تحت سلطة مسلحة لا يعني أنه اختار جميع قراراتها أو وافق على حروبها. وبين السكان من يرفض، ومن يخشى الاعتراض، ومن يحاول حماية أسرته، ومن لا يملك القدرة على المغادرة. تحميل هؤلاء مسؤولية جماعية يزيد الظلم ويضعف فرص استعادة الثقة الوطنية.


ولهذا فإن أي مشروع لاستعادة الدولة يجب أن يقدم لهؤلاء السكان معنى عمليًا مختلفًا للسلطة: حماية، وعدالة، وخدمات، وفرص عمل، وحقًا في الحياة السياسية دون إكراه. فالانتقال الحقيقي يحدث حين يشعر المواطن أن مستقبله لم يعد مربوطًا بقدرته على حمل السلاح أو إثبات الولاء، وأن المؤسسات تتعامل معه على أساس حقوقه.


وعند توقف الحرب، لن يكفي فتح الطرق أو ترميم المباني، على أهمية ذلك. ستكون هناك حاجة إلى حصر موثق للقتلى والمفقودين والجرحى، وضمان حقوق الأسر، وإعادة الأطفال إلى التعليم، وتأهيل المصابين، وتوفير سبل كسب العيش. ومن دون هذه الأعمال، قد تنتهي المعركة العسكرية وتستمر الظروف التي تسهّل تجدد العنف.


وستكون إعادة المقاتلين السابقين إلى الحياة المدنية من أصعب الاختبارات. فالشاب الذي قضى سنوات داخل تشكيل مسلح يحتاج إلى دخل ومهارة وأفق اجتماعي يسمح له بتأسيس حياة مستقرة. وإذا وجد نفسه بعد الحرب بلا عمل، وبلا تأهيل، وبلا مكان واضح في المجتمع، فستظل شبكات التجنيد قادرة على استعادته عند أول أزمة.


ستصمت المدافع في يوم ما، لكن البيوت ستظل تتعامل مع نتائجها كل صباح. ستبحث أم عن نفقات دراسة أبنائها، وسيحتاج مصاب إلى جلسة تأهيل، وسيكبر طفل حاملًا أسئلة عن غياب أبيه، وسيحاول شاب استعادة سنوات انقطعت فيها حياته. وفي تلك التفاصيل اليومية سيظهر الحجم الحقيقي لما فعلته الحرب بالمجتمع، وما إذا كانت السلطة القادمة ستعيد للناس حقهم في الحياة، أم ستتركهم وحدهم أمام فاتورة الموت.