تقرير -لطفي إبراهيم
تبدأ رحلة الوصول إلى قرى أبو عامر والمعر والجول في منطقة يرامس الزراعية من باتيس، عبر طريق يمر بوادي يزعق، الذي يفصل بين المنطقتين ويشكل العقبة الأبرز أمام حركة التنقل. فمع هطول الأمطار وتدفق السيول، ينقطع الطريق كلياً، لتجد القرى نفسها أمام عزلة متكررة، ويصبح وصول سكانها إلى المدن والخدمات الأساسية وتلبية احتياجاتهم اليومية أمراً بالغ الصعوبة.
*طرق وعرة تعزل القرى مع كل موسم أمطار*
في قرية المعر، يقول وضاح صالح إن توقف المواصلات لأيام خلال مواسم الأمطار يضع السكان أمام صعوبات كبيرة، خصوصاً أن كثيراً منهم يعتمدون على بيع الأغنام لتوفير احتياجات أسرهم، أو يحتاجون إلى الوصول للمدن لعلاج أطفالهم وشراء المواد الغذائية. ولا تنتهي مشكلة التنقل بانحسار الأمطار، إذ تعتمد قرى أبو عامر والمعر والجول في الأيام العادية على سيارة أجرة قديمة واحدة، تتوقف أحياناً بسبب عدم توفر الوقود، ما يجعل وصول السكان إلى جعار أو باتيس مرتبطاً بوسيلة نقل محدودة وغير منتظمة.
*مواصلات محدودة ووصول شاق للسلع*
ويقول سامح كوينه، سائق السيارة الوحيدة التي تخدم هذه القرى، إن تدني العائد يجعله يعمل يومين فقط في الأسبوع، ويعتمد في بقية الوقت على الطلبات المحدودة لنقل المرضى أو مساعدة المزارعين ومربي المواشي في نقل منتجاتهم. أما خلال مواسم الأمطار، فتتوقف السيارة عن العمل لأيام، إذ لا تستطيع المرور في الوحل أو عبور المياه، ليجد السائق نفسه مثل بقية السكان محاصراً بالعزلة التي يفرضها الطريق.
وعند نحو العاشرة صباحاً، وصلت دراجة نارية محملة بالأسماك إلى القرى، وكانت الوسيلة القادرة على اجتياز الطريق وإيصال هذه السلعة إلى السكان. مشهد بسيط، لكنه يكشف جانباً من صعوبة وصول المواد الغذائية إلى المنطقة، حيث لا تتوفر بعض المنتجات بصورة منتظمة، فيما تحد الإمكانات المادية المحدودة للأسر من قدرتها على شراء ما يصل إليها.
*خدمات أساسية لا تلبي احتياجات السكان*
وتتكون يرامس من ست قرى هي السواد والروضة وكوبا والجول والمعر وأبو عامر، ولا تتوقف احتياجات سكانها عند الطريق. ففي التعليم، توجد مدارس أساسية في القرى لا تتجاوز الدراسة فيها الصف السادس، ما يضطر الطلاب إلى الانتقال إلى مدينة جعار لمواصلة تعليمهم. أما الخدمات الصحية، فتتوزع بين وحدتين صحيتين محدودتي الإمكانات؛ إحداهما في الجول، وتقدم خدماتها لأبناء الجول والمعر وأبو عامر، والأخرى في السواد، التي تبعد قرابة ساعة بالسيارة عن الجول، وتخدم سكان السواد والروضة وكوبا.
وتزيد مشكلة المياه من أعباء السكان، في ظل غياب مشاريع مستقرة لتوفير مياه الشرب، واضطرارهم إلى استخدام آبار مكشوفة لا تتوفر فيها الضمانات الصحية اللازمة، ما يعرض الأسر والأطفال لمخاطر الأمراض. ويجعل ذلك توفير مصادر مياه آمنة من الاحتياجات الأساسية التي لا تقل أهمية عن الطريق والتعليم والرعاية الصحية.
*العزلة تنتقص من عائد المزارعين*
لكن الطريق الذي يعزل القرى عن المدن لا يقف أثره عند حركة السكان، وإنما يمتد إلى النشاط الزراعي الذي يعتمد عليه كثير من أبناء يرامس.
فالقرى تنتشر على ضفاف وادي حسان، حيث تتعرض الأراضي الزراعية القريبة منه لانجراف التربة بفعل السيول، فيما توقفت بعض مشاريع الحواجز المائية والسدود، وتعرضت مشاريع أخرى للانجراف والأضرار، ما يقلل من قدرة المنطقة على الاستفادة من مياه الأمطار وحماية أراضيها.
ويقول المزارع علي حنيش إن انجراف التربة يتكرر مع مواسم السيول، ويؤدي إلى تراجع مساحات من الأراضي الزراعية مع مرور الوقت. ولا تتوقف خسائر المزارعين عند ما تسببه السيول من أضرار للأرض، إذ يواجهون مشكلة أخرى عند تسويق محاصيلهم، خصوصاً خلال مواسم إنتاج الحبحب والشمام، البطيخ بنوعيه الأحمر والأصفر.
فبسبب وعورة الطرق وصعوبة نقل المحاصيل إلى الأسواق، يضطر المزارعون إلى بيع إنتاجهم داخل الحقول لمشترين يمتلكون شاحنات صغيرة من نوع دينا ، تستطيع الوصول إلى الأراضي الزراعية والتكيف مع ظروف الطريق. ويؤدي هذا الخيار إلى بيع المحاصيل بأسعار أقل من أسعار السوق، لكن نقلها بأنفسهم ينطوي على مخاطر قد تكبدهم خسائر كبيرة إذا تعثرت الشاحنات أو تلفت المنتجات قبل وصولها إلى وجهتها. ويقول علي إن خسارة موسم زراعي قد تضع المزارع أمام صعوبة سداد الديون التي تحملها لتمويل الزراعة طوال الموسم.
وتكشف هذه الظروف أن احتياجات يرامس مترابطة؛ فالطريق لا يخدم حركة السكان وحدها، وإنما يحدد أيضاً قدرة المزارعين على تسويق إنتاجهم والحصول على عائد أفضل، فيما تسهم مشاريع الحواجز والسدود في حماية الأراضي وتحسين الاستفادة من مياه الأمطار. وإلى جانب ذلك، فإن توفير المياه الآمنة والتعليم والرعاية الصحية من شأنه تخفيف الأعباء عن الأسر وتقليل دوافع انتقالها إلى المدن بحثاً عن الخدمات الأساسية.
*أبناء يرامس يدعون المحافظ إلى زيارة قراهم*
وأمام هذه الاحتياجات، يدعو أبناء يرامس محافظ أبين الدكتور مختار الرباش إلى زيارة المنطقة، والاطلاع على أوضاع قراها الست، والاستماع إلى مطالب سكانها، وتوجيه الجهات المختصة نحو معالجة مشكلات الطريق والمياه والخدمات الصحية والتعليمية، واستكمال مشاريع الحواجز والسدود المتعثرة وإعادة تأهيل ما تعرض منها للانجراف.
فهذه القرى لا تطلب أكثر من أن تصل إليها الخدمات، وأن تجد طرقاً آمنة تنقل سكانها ومحاصيلهم إلى المدن والأسواق، وتحمي مشاريعها الزراعية من أضرار السيول. وهي مطالب تستدعي زيارة ميدانية من المحافظ، والوقوف على أوضاع القرى الست، والبدء بمعالجة مشكلات ظلت تؤثر في حياة سكانها ومصدر رزقهم لعقود.

