آخر تحديث :الجمعة-30 أكتوبر 2026-11:52ص
اليمن في الصحافة

صحيفة «لابيل» الفرنسية: خبير سموم دولي يحذّر.. أدلة «الغازات الكيميائية» في تعز تتلاشى وساعات حاسمة تفصل بين الحقيقة والنسيان

الجمعة - 30 أكتوبر 2026 - 11:13 ص بتوقيت عدن
صحيفة «لابيل» الفرنسية: خبير سموم دولي يحذّر.. أدلة «الغازات الكيميائية» في تعز تتلاشى وساعات حاسمة تفصل بين الحقيقة والنسيان
المصدر: عدن الغد - خاص

كشفت صحيفة «L’Appel» الفرنسية، في تقرير استقصائي حديث، عن سباق محموم مع الزمن تشهده محافظة تعز اليمنية؛ حيث أطلق البروفيسور البريطاني أليستير هاي، خبير السموم البيئية بجامعة ليدز، تحذيراً شديد اللهجة من اندثار الأدلة الجنائية والبيولوجية التي تُثبت أو تنفي استخدام أسلحة كيميائية محرمة دولياً، قبل أن تتمكن لجان التحقيق المستقلة من وضع يدها على الحقيقة.

واستند الخبير الدولي في مقابلته مع الصحيفة الفرنسية إلى سجل طويل في فحص مسارح الهجمات الكيميائية السابقة، مشيراً إلى أن التحقيقات الفنية في النزاعات المسلحة لا ترحم المتأخرين، وأن عامل الوقت هو الفيصل الوحيد لإدانة الجناة أو إغلاق الملف للأبد.

اتهامات معلّقة تنتظر الوثائق

وكانت السلطات المحلية في تعز قد وجهت أصابع الاتهام مباشرة لجماعة الحوثي، إثر قصف صاروخي ومدفعي طال جبهتي الأقروض وكحلان، وتسبب بظهور أعراض اختناق حاد، وتشنجات، وفقدان مفاجئ للوعي في صفوف مقاتلي المقاومة الشعبية والمدنيين، ما دفع السلطات للمطالبة بتدخل أممي فوري.

غير أن تقرير «لابيل» سلّط الضوء على نقطة ضعف جوهرية في الرواية الرسمية؛ إذ لم تصدر حتى الآن قوائم موثقة ببيانات الضحايا وتواريخ الوقائع الدقيقة، فضلاً عن غياب التقارير الطبية المنشورة، وهو ما يُبقي الاتهامات حبيسة السجال السياسي في انتظار أدلة ملموسة تُعرض على العلن.

مأزق بيولوجي في مشافي تعز المحاصرة

فصّل البروفيسور هاي الآلية الصارمة المطلوبة لإثبات الجريمة، والتي تبدأ بجمع عينات حيوية عاجلة (كالدم والبول واللعاب)، مقرونة بالسجلات السريرية اللحظية. لكن هذه الإجراءات تصطدم بظروف قاهرة على أرض الواقع:

* انهيار سلاسل التبريد: تحتاج العينات الكيميائية إلى درجات حرارة منخفضة جداً ومستقرة، وهو ما تعجز عنه مستشفيات تعز الغارقة في أزمات انقطاع الكهرباء، وشح الوقود، ونقص الكواشف الأساسية، ما يهدد بإفساد العينات وفقدان قيمتها القانونية.

* التحلل الذاتي السريع: تتكسر نواتج الغازات والمواد السامة وتخرج من الجسم بوتيرة سريعة للغاية؛ وأي تباطؤ في السحب يعني هبوط تركيزها إلى مستويات يستحيل على أحدث المجاهر اكتشافها.

«فيتو سياسي» يُكبّل المختبرات المستقلة

لم تقتصر العقبات على جمع الأدلة وحفظها، بل شملت مرحلة التحليل؛ إذ كشف التقرير الفرنسي أن عدداً من المختبرات الحكومية المتقدمة التي تملك القدرة على فك شيفرة المواد ترفض استلام عينات النزاعات المسلحة خشية الوقوع في مستنقع الحسابات السياسية والردود الدبلوماسية. كما أن المختبرات التجارية المستقلة التي كانت تستقبل هذه الحالات في السابق أغلقت أبوابها أمام هذا النوع من الفحوصات، مما يضع مسار العدالة في طريق شبه مسدود.

اشتراطات منظمة حظر الأسلحة الكيميائية

بشأن التحرك الدولي، ذكّر هاي بأن اليمن دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية منذ عام 2000، مشيراً إلى أن المسار القانوني لفتح تحقيق رسمي يمر حصراً عبر الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في عدن، دون أن تمتلك جماعة الحوثي هذه الصلاحية. لكن المنظمة الدولية تشترط تقديم أدلة مادية غير ملوثة تخضع لـ«سلسلة حيازة موثوقة» لا تشوبها شبهة التبديل أو التلف.

فرضية علمية بديلة

وفي محاولة لعزل الحقيقة عن التوظيف العسكري، طرح خبير السموم البريطاني تفسيراً موازياً لا يقل خطورة: احتمال التسمم بتركيزات قاتلة من غاز أول أكسيد الكربون المنبعث من انفجار الذخائر التقليدية، خاصة إذا حدثت الضربات في ملاجئ أو مساحات جبلية ضيقة ومغلقة، وهو ما يمكن إثباته أيضاً عبر عينات دم محددة. أما بشأن ما تردد عن حدوث تشوهات بجثث بعض القتلى، فقد رفض هاي التكهن بطبيعتها دون الاطلاع على تقارير طبية وتشريحية رسمية ومستقلة.

وختم تقرير صحيفة «لابيل» الفرنسية بالتأكيد على أن غياب الأدلة المؤكدة علمياً لا يعفي المجتمع الدولي من مسؤوليته؛ فالمعركة اليوم تنحصر بين توفير مظلة حماية فنية سريعة للمصابين والشهود والعينات المتبقية، أو ترك الحقيقة رهينة للدخان والحرب الإعلامية.