في ذكرى رحيل والدي محمد أحمد سلمان الوالي، رحمه الله
يا أبي، كبرتُ حتى صرتُ جدًّا، وما زلتُ، حين يثقلُ العالمُ على قلبي، أتمنّى أن أكون طفلًا إلى جوارك؛ أضع رأسي على كتفك، وأستريح قليلًا من عناء الحياة.
كلما عادت ذكرى رحيلك، أدركت أن في القلب مواضع لا يملؤها أحد، وأن لبعض الغائبين حضورًا لا تنال منه السنين. أفتقدك في تفاصيل لا ينتبه إليها سواي؛ في خبرٍ أودّ أن أرويه لك، وفي حيرةٍ أعرف كيف كنت ستبدّدها، وفي فرحٍ ينقصه وجهك. وما أقسى أن تتهيأ في النفس كلماتٌ كثيرة، ثم أتذكّر أن من كنت أشتاق إلى حديثه قد رحل.
أبي الحبيب،
يمضي العمر، وتزداد حاجتي إليك. كنت أظن أنني عرفت قدرك وأنا قريب منك، حتى حملت من أعباء الحياة ما حملت، فعرفت كم كنت تحتمل، وكم كنت تخفي من تعبك كي تمنحنا الطمأنينة. ولعل من أوجاع الفقد أننا نفهم بعض محبة آبائنا متأخرين، حين نحمل من المسؤوليات ما حملوه، ونتمنى لو أُتيح لنا أن نقول لهم: الآن عرفنا.
كنتَ من جيلٍ حمل حلم الوطن قبل أن تقوم دولته، وأسهم في صناعة فجر الاستقلال، ثم حمل مسؤولية البناء والعمل العام. كانت أمامكم بلادٌ تتطلع إلى الحياة، وأجيالٌ تنتظر نصيبها من الحرية والكرامة، فبذلتم من أعماركم ما استطعتم، وتركتم لنا أمانةً لا يخفّ ثقلها بتعاقب السنين.
وأنا، حين أستعيدك، تحضرني سيرتك في الناس قبل ألقابك؛ عزةُ نفسك، ووقارُ حضورك، وإيمانُك بأن للناس حقًّا على من يتولى أمرًا من أمورهم. تلك هي الأشياء التي بقيت فينا، وصارت مع الأيام ميزانًا نراجع به أنفسنا.
يا أبي،
علّمتني أشياء كثيرة، وبقي أعظمها فيما رأيتك تفعله. ومنك تعلّمت أن للكرامة ثمنًا ينبغي احتماله، وأن الرجل مسؤولٌ عن كلمته، وأن خدمة الوطن عهدٌ يمتد إلى ما وراء المنصب. وحين تضيق بي السبل، أجدني أسأل نفسي: ماذا كنت ستفعل لو كنت هنا؟ فأشعر أنك ما زلت تعينني على الاختيار.
واليوم، ووطننا مثقلٌ بالجراح، أشتاق إلى حكمتك أكثر. أتأمل ما بذلتموه من أجل هذه الأرض، وما كنتم ترجونه لأبنائها، فأشعر بعِظَم مسؤوليتنا في الوفاء لكم. وأسأل الله أن يمنحنا من البصيرة والشجاعة ما نصون به تضحياتكم، ونفتح به لمن بعدنا طريقًا أقل وجعًا.
أبي…
ليتك تعرف كم بقي منك في حياتنا. في أبنائنا شيءٌ من ملامحك، وفي أحاديثنا كلماتٌ لك، وفي ضمائرنا أثرٌ من تربيتك. نذكرك، فيلين الحديث، ويقترب بعضنا من بعض، كأن محبتك ما زالت تجمعنا حولك.
ومع ذلك، تبقى للحزن لحظاته التي يعجز عنها الصبر؛ حين أتمنى مشورتك، أو أحتاج أن أناديك، أو أشعر أنني، مهما اشتدّ عودي، ما زلت ابنك الذي يطمئن بقربك. عندها أرفع يديّ بالدعاء، وأستودعك رحمة من هو أرحم بك منّا جميعًا.
اللهم أرحم أبي، وآنس وحشته، ونوّر قبره، واجزه عن كل خيرٍ صنعه، وعن كل تعبٍ احتمله، وعن كل طمأنينةٍ أسكنها في قلوبنا. واجعل له من دعائنا برًّا لا ينقطع، ومن رحمتك مقامًا كريمًا، واجمعنا به في جنات النعيم.
سلامٌ عليك يا أبي، وعلى عمرٍ من العطاء نزداد إدراكًا لقدرة كلما مرّت السنين.
سأظل أحمل اسمك بمحبةٍ واعتزاز، وأرجو أن أحمله بما يرضيك عنّي.
أحبّك يا أبي… وما زلتُ، كلما أثقلتني الحياة، أحنّ إلى كتفك.
ابنك المحبّ، الوفيّ لذكراك
المستشار
سالم محمد أحمد سلمان الوالي
نائب وزير الصناعة والتجارة