محافظ لحج مراد الحالمي . . سِيرَةُ سَعيٍ لا تُغريه الأضوَاء
(( عدن الغد )) ــ بقلم / عيدروس زكي السَّقَّاف *
(( حَسَدُوا الفَتَى إِذْ لَمْ يَنَالُوا سَعْيَهُ . . فَالقَوْمُ أَعْدَاءٌ لَهُ وَ خُصُومُ )) .
في هذا البيت الشِّعري للشَّاعر البارع ، و الفقيه العلَّامة ، و النَّحوي العربي العراقي الجَهبَذ ، أبي الأَسود الدُّؤَلِي ، واضع علم النَّحو في اللُّغة العربية ، و أول من ضبط قواعده ، و هو الذي نقَّط المُصحَف الشَّرِيف ، تستوقف كلمة " سَعْيَهُ " أكثر ممَّا تستأثر غيرها ، لأنها لا تحيل إلى الوصول وحده ، و إنَّما إلى الطريق الذي اختاره الإنسان لنفسه ، و إلى ما يبذله في الطريق من جهدٍ و احتمالٍ و مثابرة ، و من هذه الزَّاوية تحديداً ، يمكن قراءة شخصية معالي الأستاذ مراد علي محمَّد الحالمي ، محافظ محافظة لحج ، حفظه الله و رعاه ، هذا الشَّاب الذي يفيض وعياً دفَّاقاً ، و تتجذَّر فيه الرَّزانة المدرارة ، و الذي لا يبدو منشغلاً بصناعة صورةٍ عن نفسه ، بقدر انشغاله بما تفرضه عليه مهمَّته ، و لا يستمد حضوره من كثرة الظهور ، بل من ملازمته لما بين يديه من مسؤوليات و تفاصيل و ملفَّات ، و في شخصيته شيءٌ من ذلك الهدوء ، الذي لا يعني قلَّة الحركة ، و إنَّما يعني أن الحركة نفسها موجَّهة إلى غاية ، و أن العمل عنده أسبق من الحديث عنه .
تكفي كلمة " سَعْيَهُ " وحدها لفتح بابٍ واسع على معنى الرَّجل فالإنسان ، في نهاية الأمر ، لا تكشفه المناصب بقدر ما تكشفه الطريقة التي يمضي بها داخلها ، و لا تقول الألقاب الكثير عن صاحبها بقدر ما تقوله خطواته و هو يحمل ما أُلقِي على عاتقه من مسؤولية ، و من هذه الكلمة يمكن الاقتراب من المحافظ " مراد " ، متجاوزاً حدود الاسم الإداري ، إلى تجربةٍ تتشكَّل قيمتها من العلاقة بين الرجل و المهمَّة التي اختار أن يمنحها وقته و جهده ، فالمنصب حين يُفهم على حقيقته لا يضيف إلى الإنسان بقدر ما يحمِّله ، يفتح أمامه أبواباً أكثر ، لكنه يضع على كتفيه أثقالاً لا يراها النَّاس كُلُّهَا ، قضايا ، تتطلَّب حضوراً ، و قرارات ، تحتاج إلى شجاعة مواجهة تبعاتها ، و ملفَّات ، لا تنتهي بمجرَّد التوقيع عليها ، و مطالب يومية ، لا تعرف وتيرة المراسيم .
و لعل السؤال الأعمق الذي تفتحه سيرة معالي المحافظ الأستاذ " مراد " ، ليس : ماذا يفعل الرَّجل في موقعه ؟ ، و إنَّما : ماذا يفعل الموقع بالرَّجل ؟ ، فالمناصب العامة قادرة ، مع مرور الوقت ، على أن تُغَيِّر صاحبها ، قد تدفعه إلى التَّعَلُّق بالمشهد الذي يحيط به ، أو تجعله يرى ذاته من خلال اللَّقَب ، و المكتب ، و الواجهة ، و قد تفعل العكس ، حين يظل الإنسان محتفظاً بوعيه الأول بأن الموقع تكليفٌ عابر ، و أن قيمته الحقيقية تُقَاس ، بما يستطيع أن يحمله من أعباء ، لا بما يمنحه له من حضور ، و في الحالة الثانية ، يصبح المنصب مساحةً للعمل ، لا مرآةً دائمةً للذَّات .
و هنا على وجه الدِّقَّة ، تبدو شخصية معالي المحافظ الأستاذ " مراد " ، جديرة بالتَّأمُّل ، فثمَّة فارق بين مسؤولٍ يلاحق تفاصيل موقعه لأنه يريد أن يثبت أنه موجود ، و مسؤولٍ يتابع مجريات العمل ، لأن تركها دون رقابة ، قد يُخَلِّف أثراً على حياة النَّاس ، أو انتظام العمل ، فالتَّمايُز في الظَّاهر قد لا يكون كبيراً ، لكن المسافة الإنسانية بين الأمرين واسعة ، الأول يبحث ، بصورة أو بأخرى ، عن انعكاس عمله عليه ، أما الثاني فينشغل بما يغرسه العمل في المكان الذي اؤتمن عليه ، و من هذه المقاربة ، يمكن فهم طبيعة الحضور الذي يقدِّمه المحافظ " مراد " : حضورٌ لا يقوم على استعراض الجهد ، بل على ملازمة مقتضيات المسؤولية .
فالعمل الإداري ، في جوهره ، أقل بريقاً ممَّا يظنه النَّاس و أكثر كلفةً مما توحي به صور المناسبات ، خلف كل ملفٍ ساعاتٌ من التَّدقيق ، و خلف كل قرارٍ تبعاتٌ ينبغي تقديرها ، و خلف كل إجراءٍ أشخاصٌ ينتظرون أن يصل أثره إليهم في الوقت المناسب و بالصورة التي تحفظ مصالحهم ، و خلف هذا كلَّه يتجلَّى دوام عمله القيادي الميداني اليومي في إصراره الحي على ملامسة احتياجات المواطنين عن قرب ، بعيداً عن بهارج الإعلام و زخارفه ، و لذلك فإن المسؤول الذي يختار أن يكون قريباً من التفاصيل ، يجد نفسه أمام امتحانٍ يومي لا تمنحه الكاميرات ، و لا العبارات المنمَّقة فرصة اجتيازه ، إذ لا يكفي أن يعرف ما ينبغي فعله ، و إنَّما عليه أن يحتمل الطريق الذي يقود إلى فعله ، بما فيه من تعقيدات ، و تأجيلات ، و تشابكات ، و مسؤوليات ، لا تظهر كُلُّهَا إلى العَلَن .
و من هنا ، يصبح " السَّعي " ، في حالة معالي المحافظ الأستاذ " مراد " ، معنىً يتخطَّى الحركة من أجل الحركة ، إنه طريقة في التَّعامل مع المسؤولية ، أن تظل عين الرَّجل على الغاية ، و أن تكون خطواته مرتبطة بما يتطلَّبه الواقع ، لا بما يفرضه إيقاع الظهور ، و ليس في ذلك انصرافٌ عن الحضور العام ، أو ابتعادٌ عن النَّاس ، بل على العكس ، فالمسؤول الذي يستهلكه العمل من الداخل يكون أكثر التصاقاً بما يجري حوله ، لأنه لا يتعامل مع القضايا بوصفها عناوين عابرة ، و إنَّما لكونها مسائل لها وجوهٌ ، و أسماء ، و حيوات ، تنتظر أن تجد في الإدارة ما يخفِّف عنها عبء الواقع ، أو يفتح أمامها طريقاً أفضل .
و في هذا المعنى ، تبدو الإدارة المحلية ، مجالاً شديد الحساسية لاختبار شخصية المسؤول ، فهي ليست مكتباً معزولاً عن الحياة ، بل نقطة التقاء بين احتياجات النَّاس ، و قدرات المؤسسات ، و الموارد المتاحة ، و الظروف التي كثيراً ما تُعَانِد ما يريده المسؤول أو يتمنَّاه ، و لذلك فإن قيمة القيادة ، لا تظهر في الأحوال السَّهلة ، و إنَّما في الطريقة التي تُدار بها المساحات الضَّيِّقَة ، و كيف تُرتَّب الأولويات ، حين تتزاحم ، و كيف يُصغَى إلى أصحاب المطالب ، عند غياب الحل الجاهز ، و كيف تُتَّخَذ القرارات ، دون أن تفقد الإدارة بعدها الإنساني .
و مع تَجَسُّد هذه الفلسفة الإدارية في واقع محافظة لحج ، ببيئتها الممتدَّة ، و تشابك ملفَّاتها الخدمية و التنموية ، يتبدَّى " السَّعي " ، خياراً استراتيجياً متَّزناً ، لا مجرَّد طبعٍ فردي ، إذ يتكامل فيه التَّخطيط الإداري ، مع دوام عمل معالي المحافظ الأستاذ " مراد " ، القيادي الميداني اليومي في مواقع التَّنفيذ و المتابعة ، لمباشرة المشاريع الإنمائية الحيوية بمحافظة لحج ، و الوقوف المستمر على تطلُّعات النَّاس ، و دَفْع عجلة التنمية بجهدٍ تراكمي صامت ، يسبق أثره كل بيان ، و نأياً عن هَوَس " الشُّو الإعلامي " ، آثر معالي الأستاذ المحافظ " مراد " ، العمل في صمت و هدوء ، لينعكس هذا النَّهج على إيقاع العمل الإداري ، ملهماً وكلاء المحافظة ، ليكونوا شركاء حقيقيين في الميدان ، بعد أن غُيِّبُوا عن مهامهم الرسمية في الفترات السابقة خارج إراداتهم ، إلى جانب كوكبة من المستشارين المخضرمين ممَّن كُلِّفُوا منه حديثاً ، و استعان بهم ، ليشكِّلوا عقلاً مشورياً فذَّاً يقود الدَّفَة نحو النَّجاح ، فالعمل القيادي في هذه المحافظة ، ذات الثُّقل التاريخي و الاجتماعي ، لا يحتمل ترف الرَّكض خلف الضَّجيج ، بل يتطلَّب بصيرةً هادئة تستوعب التَّعقيدات الهيكلية ، دون أن تفقد بوصلة البناء ، و تصنع الاستقرار الإداري ، من خلال توطيد دعائم الثِّقة بين المواطن و مؤسساته .
و من هذا المنظور أيضاً ، يمكن فهم شيءٍ من شخصية معالي المحافظ الأستاذ " مراد " ، بعيداً عن المبالغة في رسمها ، فالرَّجل الذي يختار أن يبقى قريباً من عمله ، لا يعيش بالضرورة حياةً أقل حضوراً ، ربما يكون العكس هو الصحيح ، فإن كثرة التفاصيل تفرض على صاحبها نوعاً آخر من الانشغال ، يجعل الوقت موزَّعاً بين ملفَّاتٍ لا تتشابه ، و احتياجاتٍ لا تنتظر دائماً ، و مسؤولياتٍ تتطلَّب أن يكون المرء حاضراً ذهنياً قبل أن يكون حاضراً في الصورة ، و هذه طبيعةٌ لا تمنح صاحبها كثيراً من المساحات التي يمكن أن يتوقَّف فيها ، ليَرقُب صورته أمام الآخرين ، لأن المهمَّة نفسها تظل أكثر إلحاحاً من صاحبها .
و لأن المسؤولية الكبرى لا تكشف معدن الرِّجال إلَّا عند اشتداد الخطوب ، فإن معالي المحافظ الأستاذ " مراد " ، لم يقتصر دوره على التَّخطيط الإداري ، و ترتيب الملفَّات المدنية ، إذ وجد نفسه منخرطاً في قلب العاصفة ، و حدث الساعة ، و ذوداً عن حياض الوطن ، حيث تشتعل على تخوم مناطق مديريات محافظة لحج ، نار المواجهة مع ميليشيات الحوثي الإرهابية ، ففي تلك الثغور المتقدِّمة من حدود المحافظة ، تخوض القوات المسلحة و المقاومة و أشاوسها أروع ملاحم البطولة و التضحية والفداء ، المسطَّرة بدمائهم الطَّاهرة ، حرباً ضروساً لكسر شوكة البغي و العدوان الحوثية ، التي تُقَدِّم خلالها محافظة لحج ، خيرة شبابها بين شهيدٍ زَكِيٍّ ، و مصابٍ بَاسِلٍ ، و هناك ، في غرفة عمليات استثنائية أُنشِئَت خصِّيصاً لهذا الغرض للمحافظة ، يتابع المحافظ " مراد " ، تطوُّرات الميدان العسكري ساعة بساعة ، مرابطاً على تفاصيل العمليات الحربية ، و مكلِّفاً بتأمين الدعم الطبيِّ ، و المُساندة الغذائيَّة ، للأبطال المرابطين في جبهات العزَّة و الشَّرف و الكرامة ، ليثبت أن القيادة النَّاجحة ، لا تنفصل عن نبض الميدان ، و أن حماية الإنسان ، تبدأ من حماية الأرض ، و صون السِّيادة .
ثم إن الأضواء ، مهما بدت جذَّابة في الحياة العامة ، ليست معياراً كافياً لقياس أثر الإنسان ، هناك فرق بين أن يكون المرء معروفاً ، و أن يكون لوجوده معنى ، فهالة الشُّهرَة قد تأتي من كثرة الظهور ، أما الأثر فيتكوَّن ببطء ، من قراراتٍ تَتَرَاكم ، و مواقفٍ تُختَبَر ، و ملفَّاتٍ تُدفَع ، من حالة الانتظار إلى فضاء الإنجاز ، و علاقاتٍ مهنية تُبنَى على الثِّقة و الوضوح ، و لهذا فإن بعض الشخصيات ، لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها في المشهد كي تُرَى ، يكفي أن تكون حاضرة في المواضع التي يتوقَّف عليها سير العمل ، و أن تترك وراءها شيئاً يمكن للنَّاس أن يلمسوه ، بعد انقضاء المناسبة ، و انطفاء الاهتمام الخاطف .
و هنا تكتسب عبارة : (( لا تُغريه الأضوَاء )) ، معناها الحقيقي ، فهي لا تصف رجلاً يرفض الظهور ، و لا مسؤولاً يتوارى عن المشهد ، و إنَّما تشير إلى علاقة أكثر نضجاً بين الإنسان و حضوره العام ، أن يعرف متى يكون الظهور جزءاً من المسؤولية ، و متى يتحوَّل إلى غاية تستنزف مضمونها ، فالمسؤول يحتاج إلى أن يتحدَّث ، حين يكون الحديث ضرورياً ، و أن يشرح ، عندما يحتاج النَّاس إلى الفهم ، و أن يظهر ، وقتما يكون الظهور جزءاً من أداء المهمَّة ، لكن المدار كلَّه ، يكمن في ألَّا تصبح هذه الوسائل ، بديلاً عن المهمَّة ذاتها .
و لعل أجمل ما في شخصية معالي الأستاذ مراد علي محمَّد الحالمي ، محافظ محافظة لحج ، أن المنصب ، في صورته ، لا يبدو أكبر من الإنسان ، فهناك أشخاص تمنحهم المواقع أسماءً جديدة ، و تدفعهم شيئاً فشيئاً إلى النظر إلى أنفسهم من خلال ما يحملونه من ألقاب ، و هناك آخرون يظلُّون أوفياء لتكوينهم الإنساني ، فيدخلون الموقع بما لديهم من طباعٍ و قيم ، و يخرجون منه و قد أودعوا فيه شيئاً من شخصيتهم ، دون أن يسمحوا له بأن يبتلعها ، و هذه المسألة ليست تفصيلاً في السِّيرة المهنية ، إنها من أكثر ما يكشف معدن المسؤول ، لأن السلطة الإدارية حين تُمنح للإنسان ، تَختَبِر علاقته بذاته ، قبل أن تَختَبِر قدرته على إدارة الآخرين .
و من هذا الباب ، تَبرُز قيمة التَّواضع ، إذ يكون طبعاً لا وسيلةً للعلاقات العامة ، فهذه السَّجيَّة الصادقة ، لا تعني أن يتخلَّى المسؤول عن هيبة موقعه ، أو يتنازل عن حقِّه في اتخاذ القرار ، بل تعني أن يظل قادراً على رؤية الإنسان خلف المعاملة ، و الموظَّف خلف الملف ، و المواطن خلف الطَّلب ، و أن يدرك أن احترام الموقع ، لا يحتاج إلى مسافةٍ مصطنعة بين صاحبه و النَّاس ، و في الإدارة ، ربما كان هذا الوعي أحد أشكال القوَّة الأكثر هدوءاً ، لأن من يعرف أنه ليس مركز العالم ، يصبح أقدر على سماع الآخرين ، و من لا يحتاج إلى إثبات ذاته في كل موقف ، يكون أكثر قدرة على منح الموقف ما يستحقَّه من اهتمام .
و لا ينبغي ، مع ذلك ، أن تُقرَأ هذه الصِّفات خارج سياق العمل الجماعي ، فالمسؤول مهما امتلك من إرادة ، لا يعمل وحده ، فالإدارة شبكةٌ من الموظفين ، و المؤسسات ، و الشُّركاء ، و النَّجاح فيها ، يحتاج إلى تنسيقٍ ، و ثقةٍ ، و توزيعٍ واضح للأدوار ، و من هنا ، فإن شخصية المسؤول ، لا تظهر فقط في القرارات التي يتَّخذها ، و إنَّما في قدرته على تحريك من حوله نحو الهدف ، و إعطاء كل جهةٍ حقِّها من التَّقدير ، و تحويل المسؤولية الفردية ، إلى عملٍ تتقاسمه منظومةٌ متكاملة ، و هذا هو الوجه الأقل ظهوراً في القيادة ، لكنه ربما الأكثر أثراً في استمرار العمل ، بعد أن تغادر اللَّحظة أضواءها .
و عند هذه النُّقطة ، يعود " السَّعي " مرةً أخرى ، لا بوصفه كلمةً شعرية ، بل سيرةً مفتوحة ، فالإنسان لا يُختَصَر في منصبٍ حمله ، و لا في صورةٍ ظهرت له ، و لا في عباراتٍ قِيلَت عنه ، و إنَّما في الطريقة التي سار بها و هو يحمل ما أُسنِد إليه ، و في معالي الأستاذ مراد علي محمَّد الحالمي ، محافظ محافظة لحج ، تبدو قيمة هذا المعنى في أن الموقع لم يتحوَّل إلى غايةٍ شخصية ، بل ظلَّ مرتبطاً بما يقتضيه من متابعةٍ ، و مسؤوليةٍ ، و انشغالٍ بشؤون المكان و أهله ، و هذا النَّوع من الحضور ، لا يطلب التَّصفيق ، لأن صاحبه يعرف أن بعض الأعمال ، لا تحتاج إلى جمهورٍ كي تكون ذات قيمة .
و في هذا المطاف ، يعود بيت أبي الأسود الدُّؤَلِي ، ليكتمل قوسه البلاغي في ذهن المتابع ، إذ إن الخصومة التي قد تحيط بمسار أي تجربة عامة ، لا تجد ما تتغذى عليه حين يكون " السَّعي " مُحَصَّناً بوعي الممارسة ، و بعيداً عن استفزاز الظهور ، فإن الذين يراهنون على صخب الميادين المضاءة ، يجدون أنفسهم عاجزين أمام العمل الهادئ المقترن بالأثر ، فالسَّعي المتجرِّد من الأغراض الذَّاتية و إغواء الظهور ، يمتلك قوَّةً كامنة تفكِّك الخصومات ، دون حاجة إلى مِناكفة ، و تصنع للحضور هيبةً ، ينطق بها الواقع لا اللِّسان .
و أمام هذا العطاء الميداني المتَّصل ، لمعالي المحافظ الأستاذ " مراد " ، قد يضيقُ ذرعاً أولئك الذين يزنون قيمة القيادة ، بقدر ما يُحاط به عملها من تلميعٍ إعلامي ، أو من يساورهم الحرج إزاء إنجاز تراكميٍّ يتخلَّق بعيداً عن ضوضاء الاستعراض ، غير أن هذه الرؤى المبتسَرَة ، لا تزيد مسيرته المخلصة ، إلَّا ثباتاً و مضاءً ، بيد أن معاليه ، يواصل أداء واجبه في خدمة محافظة لحج بصمتٍ عمليٍّ يترفَّع عن السِّجال ، متجشِّماً عناء المسؤولية المضنية ، بلا صخبٍ ، و لا ادِّعاء ، و كأنَّما يختصر بتجربته الحكمة الشّعرية السَّائرة التي تذكِّرنا بأن الشُّرفاء ، لا يزدهم التَّجنِّي إلَّا أصالة ، فمعالي : " مرادنا " ، (( كالعُودِ لا يَزِيدُهُ الإِحْرَاقُ إِلَّا طِيبَاً )) ، كلَّما أحاطت به التَّحدِّيات ، أو تعالت من حوله نغمات التَّشكيك ، أفرزت مدرسته " المرادية " النموذجية المتفرِّدة المتفوِّقة ، مزيداً من النَّفع الملموس ، و الأثر الرَّاسخ ، في بنيان محافظة لحج ، و وجدان أهلها .
ربما لهذا السَّبب تبدو سيرة معالي المحافظ الأستاذ " مراد " ، إذا قُرِئَت بعيداً عن الشَّكليَّات البروتوكولية ، أقرب إلى سيرة رجلٍ يحاول أن يجعل موقعه مفيداً له و لمن حوله ، لا أن يجعل نفسه أسيراً لموقعه ، و هذه ، في العمل العام ، ليست مسألةً صغيرة ، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب المسؤول ، هو أن يختلط عليه الفرق بين احترام المنصب ، و الافتتان به ، فالأول يجعله أكثر حرصاً على أداء واجبه ، و الثاني يجعله أكثر انشغالاً بصورة الواجب ، و بين الاثنين تتحدَّد أشياء كثيرة : صدق العلاقة بالنَّاس ، و نزاهة القرار ، و قدرة المرء على الاستمرار ، حين لا يكون هناك ما يستحق التصوير ، أو الاحتفاء .
و هكذا ، فإن عنوان : (( سِيرَةُ سَعيٍ لا تُغريه الأضوَاء )) ، لا يريد أن يرسم معالي الأستاذ مراد علي محمَّد الحالمي ، محافظ محافظة لحج ، في صورة الرَّجل الذي يقف بعيداً عن المشهد ، بل في صورةٍ أكثر إنصافاً : رجلٌ يمضي في المشهد من داخله ، يحمل ما عليه أن يحمله ، و يتعامل مع المسؤولية باعتبارها طريقاً لا منصة ، و ربما كانت هذه هي القيمة الأهدأ و الأبقى ، في أي تجربةٍ عامة ، أن يظل الإنسان أكبر من اللَّقَب الذي يحمله ، و أن يبقى الموقع في يده أداةً لخدمة المكان ، لا ستاراً يحجب عنه الإنسان الذي جاء من أجله ، و في النهاية ، لا يبقى من المناصب ، سوى ما تركته في حياة النَّاس ، و لا يبقى من الرِّجال ، غير الطريقة التي ساروا بها ، و هم يؤدُّون ما اؤتمنوا عليه ، ليظل هذا السَّعي الشَّريف ، شاهداً ثابتاً ، و مصداقاً حيَّاً ، لما أُثِر عن العرب قديماً ، في وصف خصال الأُبَاة عند الملمَّات : (( إِذَا نَزَلَ البَلَاءُ صَبَرَ الفَتَى . . وَ إِذَا حَارَبَ انْتَصَرَ )) .
* المدير العام لمكتب وكالة الأنباء اليمنية (( سبأ )) بمحافظة لحج