أوغل بعض أهل الحداثة في الغموض، حتى خُيّل إليهم أن ما يغشى نصوصهم من إبهام هو السر الخفي للإبداع، ولو كان ذلك على حساب الذائقة العامة للشعر العربي، ولا سيما القصيدة العمودية.
وفي المقابل، أوغل بعض أنصار الأصالة في استعادة زمن الخيام والسيف والخيل والإبل، وكأن المحافظة على الشعر لا تكون إلا باستنساخ الماضي.
وبين غرائبية نصوص لا تسعفك اللغة أحيانًا على فهم مقاصدها، ونصوص أخرى تستعيد الماضي دون أن تضيف إليه، تضيع المسافة التي يمكن أن يلتقي فيها التراث والتجديد.
والأشد إيلامًا أن علاقتنا بتراثنا العربي لا تزال دون ما يستحقه؛ فمخطوطات عربية ثمينة موزعة في مكتبات ومعارض ومؤسسات في أنحاء العالم، ولا تمتد إليها بالقدر الكافي يد عربية فاحصة، تحفظها وتدرسها وتعيد تقديمها للأجيال.
وفي كلا الاتجاهين، حين تغيب روح الشعر وتتحول التجربة إلى مجرد موقف أو شعار، يصبح الشعر هو الخاسر.
ولعل ابتعاد جمهور الشعر عن بعض الأمسيات الشعرية ليس مصادفة؛ فقد وجد بعض القراء أنفسهم أمام نصوص تستبدل جمال العربية بغموض لا يفتح لهم بابًا إلى المعنى.
الشعر ليس غموضًا يُقصي القارئ، ولا مباشرةً تُسطّح التجربة؛ إنه تلك المساحة التي تجعل القارئ شريكًا في اكتشاف المعنى، دون أن تغلق اللغة أبوابها في وجهه.
عربيةٌ هذي البِلادُ وأهْلُهَا
الأقحاحُ لا شِرْكٌ ولا إلْحَادُ
عربية تسبي الفؤادَ حروفُها
من ذا الذي لم تسبهِ الأَنْضَادُ
كَمْ غازلَ الشُّعَرَاءُ في محرابِها
وَطَنًا وَماستْ بالقريضِ وِهَادُ
وَتَلَحَّفَتْ بالغيمِ أقمارُ الدُّجى
وجَفَا عُيُونَ العاشقينَ رُقادُ
محمد الجعمي
عدن 3 أكتوبر 2026