آخر تحديث :الأربعاء-16 سبتمبر 2026-01:03ص
أخبار وتقارير

من هرمز إلى باب المندب.. التمدد الإيراني عبر المليشيا الحوثية وابتزاز أمن الملاحة

الثلاثاء - 15 سبتمبر 2026 - 11:39 م بتوقيت عدن
من هرمز إلى باب المندب.. التمدد الإيراني عبر المليشيا الحوثية وابتزاز أمن الملاحة
المصدر:

كتب/عبد الله عبد الكريم الدعيس


لم تعد الممرات البحرية في الشرق الأوسط مجرد طرق للتجارة ونقل الطاقة، بل تحولت إلى ساحات رئيسية للصراع على النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية. فمن مضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، إلى باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي ويصل طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، تتكشف استراتيجية إيرانية تقوم على توظيف الجغرافيا البحرية في خدمة مشروعها الإقليمي، واستخدام المليشيات المسلحة الحليفة لتوسيع نطاق الضغط على خصومها. وفي قلب هذه المعادلة، تبرز المليشيا الحوثية في اليمن باعتبارها الأداة التي أتاحت لطهران نقل التهديد من الخليج إلى جنوب البحر الأحمر، وتحويل أمن الملاحة الدولية إلى ورقة ابتزاز سياسي وعسكري.


وتكمن أهمية مضيق هرمز وباب المندب في أن تهديدهما لا ينعكس على الدول المطلة عليهما وحدها، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة. وإذا كان هرمز يمثل نقطة الضغط الإيرانية المباشرة على حركة النفط والتجارة، فإن باب المندب يمنحها مجالاً موازياً للتأثير عبر طرف مسلح يتمركز في موقع استراتيجي ويملك قدرات متنامية على تهديد الملاحة. ومن هنا، فإن الانتقال من هرمز إلى باب المندب لا يمثل مجرد امتداد جغرافي للصراع، بل يكشف عن محاولة إيرانية لتوسيع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية وفتح جبهة إضافية في مواجهة خصومها.


لقد اعتمدت إيران، على مدى عقود، على بناء شبكة من المليشيات والقوى المسلحة الحليفة خارج حدودها، بما يتيح لها توسيع نفوذها وممارسة الضغط على خصومها دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة في كل جبهة. وفي اليمن، شكلت المليشيا الحوثية نموذجاً متقدماً لهذا النهج. فالدعم الإيراني العسكري والتقني والسياسي، وما رافقه من نقل للخبرات وتطوير للقدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة ووسائل التهديد البحري، مكّن هذه المليشيا من الانتقال من قوة محلية إلى طرف قادر على التأثير في الأمن الإقليمي وتهديد حركة الملاحة الدولية.




وتتجاوز دلالات التدخل الإيراني مجرد الدعم السياسي أو العسكري؛ فقد ظهرت في مراحل مختلفة مؤشرات على حضور مباشر للخبراء والضباط الإيرانيين في إدارة وتوجيه العمليات. كما أن تصريحات مسؤولين إيرانيين، وفي مقدمتهم مستشار المرشد الإيراني، التي تناولت ما وصفه بـ«النصر» الذي حققته المليشيا الحوثية، تكشف بوضوح عن مستوى الاهتمام الإيراني بالمعركة اليمنية واعتبار نتائجها جزءاً من الحسابات الاستراتيجية لطهران. والأكثر دلالة أن طهران شهدت احتفالات عقب سيطرة المليشيا الحوثية على باب المندب، في مشهد يعكس بوضوح أن ما جرى في تلك المنطقة لم يكن ينظر إليه داخل إيران باعتباره تطوراً يمنياً داخلياً، وإنما باعتباره مكسباً في صراع أوسع على النفوذ والممرات البحرية.


وتزداد هذه الدلالة عندما يُستحضر الدور الذي اضطلع به ضباط من الحرس الثوري الإيراني في إدارة المعركة وتقديم الخبرة والتوجيه للمليشيا الحوثية. فباب المندب، بحكم موقعه الاستراتيجي، لم يكن هدفاً عسكرياً يمنياً معزولاً، وإنما يمثل نقطة تحكم في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية. ومن ثم، فإن وجود قيادة وخبرات إيرانية إلى جانب المليشيا في تلك المعركة يضيف دليلاً آخر على أن طهران تعاملت مع اليمن باعتباره ساحة متقدمة لمشروعها الإقليمي، وليس مجرد ملف داخلي بعيد عن حساباتها الاستراتيجية.


ولا يعني ذلك أن المليشيا الحوثية مجرد أداة تتحرك بصورة آلية وفق التعليمات الإيرانية؛ فهي تمتلك مشروعها الخاص للسيطرة على الدولة اليمنية وتوظف الدعم الإيراني لتعزيز قوتها. لكن استقلالية الحسابات التكتيكية لا تلغي التقاطع الاستراتيجي العميق بين الطرفين، خصوصاً في إضعاف الدولة اليمنية، وتهديد المصالح السعودية، وإرباك القوى الدولية، وفرض واقع أمني جديد في البحر الأحمر. وهنا تكمن خطورة المعادلة: مشروع محلي للسيطرة على السلطة يتقاطع مع مشروع إقليمي يسعى إلى بناء نفوذ يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.


وقد كشفت الهجمات التي نفذتها المليشيا الحوثية ضد السفن التجارية والملاحة الدولية عن طبيعة هذا التحول. فلم يعد الساحل اليمني مجرد مسرح للحرب، بل تحول إلى قاعدة لتهديد حركة التجارة ورفع كلفة النقل والتأمين وإجبار السفن على تغيير مساراتها. وهكذا أصبح باب المندب، الذي يفترض أن تضمن قواعد القانون الدولي حرية الملاحة فيه، عرضة للاستخدام كوسيلة ضغط وابتزاز تتجاوز آثارها حدود اليمن والمنطقة إلى الاقتصاد العالمي.




وتتضاعف خطورة هذا التهديد لأن مصدره لا ينحصر في البحر، وإنما يبدأ من اليابسة. فامتلاك المليشيا الحوثية مساحات واسعة من الأراضي اليمنية، وبنية عسكرية وصاروخية ومسيّرة، يمنحها القدرة على استهداف السفن والمواقع الحيوية وتهديد الممرات البحرية من قواعد برية. ولذلك، فإن حماية باب المندب لا يمكن أن تقوم على القطع البحرية وحدها، مهما بلغت قدراتها؛ إذ إن حماية البحر تظل ناقصة ما لم تُعالج مصادر التهديد الموجودة على اليابسة.


ومن هنا تكتسب العمليات العسكرية التي تخوضها القوات المسلحة اليمنية ضد المليشيا الحوثية في عدد من المحافظات أهمية استراتيجية تتجاوز بعدها المحلي. فما شهدته جبهات الجوف والبيضاء ومأرب وغيرها من استعادة مواقع ومعسكرات ومناطق مهمة، ومنها معسكر اللبنات الاستراتيجي والقرى القريبة منه، يمثل جزءاً من معركة أوسع لاستعادة المبادرة وقطع خطوط الإمداد والضغط على المليشيا في مواقعها المتقدمة. وما يجري في الميدان لا ينبغي قراءته باعتباره نهاية للصراع أو حكماً نهائياً على موازين القوة؛ إنها جولة من جولات صراع طويل ستعقبها جولات أخرى، هدفها استعادة المبادرة واسترجاع الأرض التي سيطرت عليها المليشيا الحوثية، وصولاً إلى تمكين الدولة اليمنية من بسط سلطتها على كامل أراضيها.


وهذا البعد مهم في فهم أمن البحر الأحمر؛ لأن استعادة الدولة اليمنية لقدرتها على السيطرة على أراضيها وسواحلها وموانئها وجزرها تمثل خط الدفاع الأول عن باب المندب. وكل تقدم تحرزه القوات المسلحة اليمنية في مواجهة المليشيا الحوثية لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية عسكرية داخلية، بل باعتباره إسهاماً في تضييق المساحة التي يمكن أن تستخدمها إيران لتهديد الملاحة الدولية عبر وكلائها.


ومن ثم، فإن مواجهة التمدد الإيراني تتطلب مسارين متلازمين: الأول، بناء منظومة إقليمية ودولية فعالة لحماية الملاحة، تقوم على تبادل المعلومات والقدرات البحرية والردع الواضح ضد استهداف السفن؛ والثاني، دعم الحكومة اليمنية الشرعية والقوات المسلحة بمختلف القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بما يمكنها من استعادة الأرض وتأمين السواحل والموانئ والجزر ومصادر التهديد البرية. فالمعالجة البحرية وحدها قد تمنع بعض الهجمات، لكنها لا تنهي البيئة التي تنتجها.


وفي هذا السياق، تكتسب التحالفات الإقليمية الجديدة أهمية متزايدة، سواء من خلال التعاون السعودي–التركي–الباكستاني أو التحالفات البحرية التي تقودها السعودية بمشاركة دول عربية وأفريقية. غير أن حماية البحر الأحمر تحتاج إلى تكامل أوسع بين الدول المعنية مباشرة بأمنه، وفي مقدمتها الدول المطلة عليه ومصر، بالنظر إلى الارتباط الوثيق بين أمن باب المندب وأمن قناة السويس والتجارة العالمية. كما أن مواجهة القرصنة والتهديدات القادمة من اليابسة تتطلب استراتيجية تتجاوز الدور البحري إلى بناء قدرات الدول المشاطئة وتمكينها من حماية أراضيها.


إن المسار الممتد من هرمز إلى باب المندب يكشف عن طبيعة مشروع إيراني يسعى إلى تحويل المواقع الجغرافية الحيوية إلى أوراق نفوذ وابتزاز، وإلى نقل الصراع من الحدود الإيرانية إلى ساحات بعيدة يمكن من خلالها الضغط على الخصوم وتهديد المصالح الدولية. وفي هذا المشروع، تمثل المليشيا الحوثية حلقة أساسية، لكن مواجهتها لا تنفصل عن مواجهة البيئة التي سمحت لها بالتمدد.


ولهذا فإن أمن باب المندب لن يتحقق بصورة مستدامة بمجرد تأمين السفن، بل باستعادة الدولة اليمنية سيطرتها على اليابسة والبحر، ودعم قواتها في معركتها لاستعادة المبادرة والأرض، وتجفيف مصادر الدعم الخارجي للمليشيا الحوثية، وفي مقدمتها التدخل الإيراني. فالمعركة في نهاية المطاف ليست فقط على مضيق بحري، وإنما على من يملك حق التحكم في أحد أهم شرايين التجارة العالمية: الدول والمؤسسات الشرعية التي يحكمها القانون الدولي، أم المليشيات التي تستخدم القوة بالوكالة لفرض إرادة مشروع إقليمي يتجاوز حدودها.