آخر تحديث :الثلاثاء-18 أغسطس 2026-02:13م
إقتصاد وتكنلوجيا

كيف تتحرك أسعار الذهب خلال فترات الركود والتباطؤ الاقتصادي

الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 - 11:23 ص بتوقيت عدن
كيف تتحرك أسعار الذهب خلال فترات الركود والتباطؤ الاقتصادي
المصدر:

كيف تتحرك أسعار الذهب خلال فترات الركود والتباطؤ الاقتصادي؟

يُنظر إلى الذهبطوال الوقتعلى أنهأحد أبرز الأصول الدفاعية التييلجأ إليهاالمستثمرون عندما تتراجع وتيرة النموالاقتصادي، أو تتعرض أسواق الأسهم لضغوط، أويتزايدالقلقبشأن سلامةالنظام المالي. ومن هنا نشأت فكرة شائعة مفادها أن الركود الاقتصادي يجب أن يكون بالضرورة عاملًا داعمًا لأسعار الذهب.

لكن الواقع التاريخي أكثر تعقيدًا من هذه القاعدةالبسيطة.

فصحيح أن الذهب حقق أداءً قويًا في عدد من فترات الركود والأزمات المالية، لكنه لا يرتفع تلقائيًا لمجرد أن الاقتصاد يتباطأ. فحركته تتأثر بمجموعة أوسع من العوامل، مثل أسعار الفائدة، ومستوى التضخم، وقوة الدولار الأمريكي، وسياسات البنوك المركزية، وطبيعةتمركز المستثمرين، وعمق الأزمة الاقتصادية نفسها.

وفي بعض الحالات، قدتتراجعبورصة الذهب مباشرفي بداية الأزمة بدلًا من الارتفاع. يحدث ذلك عندما يبيع المستثمرون أصولًا سائلة، بما فيها الذهب، للحصول على النقد أو تغطية خسائر في أسواق أخرى. ثم قد يعود الذهب إلى الصعود لاحقًا إذا بدأت البنوك المركزية في خفض الفائدة، أوتفاقمت مخاوفالتضخم، أو ضعفت الثقة في الأصول المالية التقليدية.

لذلك، لا يكفي طرح السؤال بصيغة: هل الركود مفيد للذهب؟ السؤال الأدق هو: ما طبيعة هذا الركود؟ وهل يصاحبه تضخم مرتفع، أم انخفاض في الفائدة، أم أزمة مصرفية، أم قوة الدولار، أم موجة بيع واسعة في كل الأصول؟

لماذا يهتم المستثمرون بالذهب أثناء الركود؟

يعنيالركودفي جوهرهتراجعًا واسعًا في النشاط الاقتصادي، لكنه لا يُقاس دائمًا بطريقةسطحية أو موحدة. ففي الولايات المتحدة، لا يعتمد المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية على قاعدة الربعين المتتاليين من انكماش الناتج المحلي الإجمالي فقط، بل ينظر إلى مجموعة واسعة من المؤشرات لتحديد بداية الركود ونهايته.

وخلال فترات التباطؤ، قد تتدهور عدة مؤشرات في وقت واحد. فقد تنخفض أرباح الشركات، وترتفع البطالة، وتزداد تقلبات الأسهم، وتتجه البنوك المركزية إلى خفض أسعار الفائدة، بينما ترتفع حاجة الحكومات إلى الاقتراض. وفينفسالوقت، قد يصبح المستثمرون أكثر حذرًا، وتزداد المخاوف بشأن البنوك أو أسواق الائتمان أو العملات.

هذه البيئة يمكن أن تجعل الذهب أكثر جاذبية. فهو لا يعتمد على أرباح شركة، ولا يحتاج إلى جهة مُصدرة تدفع فائدة أو تسدد أصل الدين،كمالا يمثل التزامًا ماليًا على حكومة أو مؤسسة. والذهب المادي، تحديدًا، يُنظر إليه كأصل قائم بذاته، لا يرتبط مباشرة بمخاطر تعثر طرف آخر.

وقد أشارت أبحاثمجلس الذهب العالميإلى أن الذهبيميلتاريخيًا إلى تحقيق أداء جيد خلال فترات المخاطر النظامية، وغالبًا ما سجل عوائد إيجابية عندما كانت الأصول عالية المخاطر تحت ضغط.

لكن الطلب على الملاذ الآمن لا يفسر الصورة كاملة. فسعر الذهب لا يتحرك بسبب الخوف وحده، بل يتأثر أيضًا بما يحدث لأسعار الفائدة، والدولار، والسيولة، والتضخم، وسياسات البنوك المركزية أثناء الأزمة.

أسعار الفائدة: أحد أهم مفاتيح حركة الذهب

من أهم خصائص الذهب أنه لا يُدر دخلًالحامليه.فهو لا يدفع فائدة مثل السندات، ولا يمنح عائدًا مثل أذون الخزانة أو الودائع أو حسابات الادخار. ولذلك تصبح جاذبيته مرتبطة بما يستطيع المستثمر الحصول عليه من الأصول البديلة.

إذا كان المستثمر قادرًا على تحقيق عائد حقيقي مرتفع من أصل آمن نسبيًا، مثل سند حكومي، فإن الاحتفاظ بالذهب يصبح أقل إغراءً، لأنه يعني التخلي عن دخل مضمون أو شبه مضمون. في هذه الحالة، تكون تكلفة الفرصة البديلة لامتلاك الذهب مرتفعة.

أما عندما تنخفض أسعار الفائدة، تتراجع هذه التكلفة. وهنا قد يصبح الذهب أكثر جاذبية، خصوصًا في فترات الركود التي تدفع البنوك المركزية عادة إلى خفض الفائدة لدعم الاقتراض والإنفاق والاستثمار.

ولهذا لا يكفي القول إن الركود وحده يدعم الذهب. ما يهم هو كيف تستجيب السياسة النقدية لذلك الركود. فإذا أدت الأزمة إلى هبوط الفائدة الحقيقية، فقد يستفيد الذهب. أما إذا بقيت العوائد الحقيقية مرتفعة، فقد يجد الذهب منافسة قوية من الأصول التي تمنح دخلًا مباشرًا.

وفي هذا السياق، فإنالتمييز بين الفائدة الاسمية والفائدة الحقيقية ضروري لفهم الذهب. فالفائدة الاسمية هي العائد المعلن على السند أو الوديعة. أما الفائدة الحقيقية فهي العائد بعد أخذ التضخم في الاعتبار.

لنفترض أن سندًا حكوميًا يقدم عائدًا اسميًا قدره 5%، بينما يبلغ التضخم 2%. في هذه الحالة، يكون العائد الحقيقي التقريبي 3%. أما إذا كان العائد نفسه 5%، لكن التضخم يبلغ 6%، فإن العائد الحقيقي يصبح سلبيًا بنحو 1%.

في الحالة الأولى، يواجه الذهب منافسة أقوى، لأن المستثمر يستطيع الحصول على عائد حقيقي موجب من أصل آمن نسبيًا. أما في الحالة الثانية، تصبح جاذبية الذهب أكبر، لأن العائد الحقيقي على السندات أو النقد لا يحافظ فعليًا على القوة الشرائية.

لماذا قد يهبط الذهب أثناء انهيار الأسواق؟

من الخطأ افتراض أن الذهب يجب أن يرتفع في كل يوم تهبط فيه الأسهم. فالذهب قد يكون أصلًا دفاعيًا على مدى الأزمة، لكنه ليس معزولًا عن موجات البيع العنيفة، خصوصًا في لحظات الذعر التي يبحث فيها الجميع عن النقد.

عندما تتعرض الأسواق لصدمة حادة، قد يبيع المستثمرون كل ما يمكن بيعه تقريبًا. فالصناديق قد تواجه طلبات استرداد، والمتداولون الذين يستخدمون الرافعة المالية قد يتلقون نداءات هامش، والمؤسسات المالية قد تحتاج إلى سيولة فورية. وفي مثل هذه اللحظات، قد يُباع الذهب ليس لأنه فقد دوره كملاذ، بل لأنه أصل سائل يمكن بيعه بسرعة وبسعر واضح.

ولهذا قد تظهر فترات تنخفض فيها الأسهم والسلع وبعض السندات والذهب فينفسالوقت. وقد حدث ذلك خلال مراحل من أزمة 2008، كما تكرر في اضطرابات السوق مع صدمة كوفيد-19. ففي هذه اللحظات، لا يكون السؤال الأساسي هو: ما الأصل الأفضل على المدى الطويل؟ بل: ما الأصل الذي يمكن تحويله إلى نقد الآن؟

مرحلة السيولة في الأزمة

يمكن فهم أداء الذهب خلال التباطؤ الحاد من خلال تقسيم الأزمة إلى مراحل. المرحلة الأولى غالبًا ما تكون صدمة سيولة. في هذه المرحلة، يريد المستثمرون النقد بسرعة، وتنخفض الأصول على نطاق واسع، وترتفع التقلبات، وتدفع نداءات الهامش المتداولين إلى تقليص مراكزهم. وخلال هذه اللحظة، قد يتعرض الذهب للبيع مع غيره من الأصول.

بعد ذلك تأتي عادة مرحلة استجابة السياسات. فقد تخفض البنوك المركزية أسعار الفائدة، وتضخ السيولة في النظام المالي، أو تطلق برامج شراء الأصول. وقد تتدخل الحكومات بحزم تحفيز مالي. ومع تراجع عوائد السندات وتغير توقعات المستثمرين بشأن العملات والديون والتضخم، قد تصبح البيئة أكثر دعمًا للذهب.

ثم تأتي مرحلة ثالثة يبدأ فيها المستثمرون في تقييم آثار هذه السياسات على المدى الأطول. فقد تزداد المخاوف من التضخم المستقبلي، أو تراجع القوة الشرائية للعملات، أو ارتفاع مستويات الدين العام، أو بقاء أسعار الفائدة الحقيقية منخفضة لفترة طويلة. وهذه العوامل قد تعزز الطلب على الذهب كأداة لحفظ القيمة.

لذلك، قد يبدو الذهب ضعيفًا في الموجة الأولى من الذعر، لكنه يستعيد قوته لاحقًا داخل الأزمة نفسها. وهذا ما يجعل فهم توقيت الحركة مهمًا بقدر فهم الاتجاه العام. فالذهب لا يستجيب فقط لفكرة الركود، بل يتفاعل مع مراحل الأزمة، واحتياجات السيولة، واستجابة البنوك المركزية، وتوقعات المستثمرين لما سيأتي بعد الصدمة.

الذهب خلال الأزمة المالية في 2008

امتد الركود المرتبط بالأزمة المالية العالمية من ديسمبر 2007 إلى يونيو 2009، وجاء مصحوبًا بأزمة مصرفية وائتمانية حادة وانهيار في أسواق الأسهم والعقارات.

ورغم أن هذه الظروف بدت مثالية للذهب كملاذ آمن، فإن أداءه لميتحرك في خط مستقيم. فقد تعرض المعدن لموجات بيع قوية خلال 2008 مع اتجاه المستثمرين إلى الاحتفاظ بالسيولة، وسجل تراجعات تراوحت في بعض الفترات بين نحو 15% و25%.

ومع ذلك، أنهى الذهب عام 2008 على ارتفاع بنسبة 4.3%، عند 869.75 دولارًا للأونصة. ويكشف ذلك أن الطلب على السيولة قد يضغط على الذهب مؤقتًا حتى أثناء الأزمات.

وبعد مرحلة الذعر الأولى، أصبحت استجابة السياسات أكثر دعمًا للمعدن. فقد خفضت البنوك المركزية أسعار الفائدة بقوة، واتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسات نقدية غير تقليدية، بينما توسعت الحكومات في الإنفاق والدعم.

لذلك، كان أحد أهم دروس 2008 أن أداء الذهب لا يتحدد فقط بحجم الأزمة، بل أيضًا بالسياسات النقدية والمالية التي تأتي ردًا عليها.

الذهب خلال ركود كوفيد-19

امتد الركود الأمريكي المرتبطبجائحة كوفيد-19رسميًا من فبراير إلى أبريل 2020، لكنه تسبب في اضطرابات اقتصادية ومالية استمرت لفترة أطول.

وفي بداية الأزمة، لم يكن الذهب محصنًا من موجة البيع العالمية، إذ تعرض لضغوط في مارس مع بحث المستثمرين عن السيولة. لكن الصورة تغيرت سريعًا مع خفض أسعار الفائدة، وتوفير سيولة ضخمة من البنوك المركزية، وإطلاق برامج دعم ماليغير مسبوقة.

وساهمت هذه العوامل، إلى جانب استمرار عدم اليقين الاقتصادي، في تعزيز الطلب على الذهب. واستقطبت صناديق الذهب المتداولة المدعومة بالمعدن تدفقات قياسية بلغت 877.1 طنًا خلال 2020، بينما حقق الذهب عائدًا يقارب 25% بالدولار خلال العام.

وتوضح تجربة 2020 أن الركود يصبح أكثر دعمًا للذهب عندما يقترن بأسعار فائدة منخفضة، وسياسات نقدية توسعية، وعدم يقين اقتصادي مرتفع.

دور البنوك المركزية

تؤثر البنوك المركزية في الذهب عبر قناتين رئيسيتين. الأولى هي السياسة النقدية، إذ يمكن لخفض الفائدة أن يقلل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، بينما قد تؤثر برامج شراء الأصول وضخ السيولة في توقعات التضخم والعملات والديون.

أما القناة الثانية فهي مشتريات البنوك المركزية من الذهببغرض إدراجهاضمن احتياطياتهاالرسمية. يمكن لهذه المشتريات أن تشكل مصدر طلبمستقلعن دوراتالاقتصاد الأمريكي، ما يعني أن حركة الذهب لا تعتمد فقط على بيانات النمو أو الركود.

ولا يشترط أن تتزامن ذروة الذهب معضعفالبيانات الاقتصادية. فالأسواق تتطلع إلى المستقبل وتبدأ في تسعير التعافي قبل ظهوره بوضوح في البيانات الرسمية.

فإذا اعتقد المستثمرون أن التحفيز النقدي والمالي سيكون كافيًا لدعم الاقتصاد، فقد ترتفع عوائد السندات والأسهم وتتحسن شهية المخاطرة، بينما يبدأ الذهب في التراجع رغم استمرار ضعف مؤشرات مثل البطالة.

إطار مبسط لفهم الذهب والركود

بدلًا من الاعتماد على مؤشر واحد للركود، يحتاج متداولو الذهب إلى متابعة مجموعة من العوامل التي تحدد البيئة المحيطة بالمعدن.

وبدلًا من استخدام قاعدة مبسطة مثل:

الركود = ارتفاع الذهب

يمكن التفكير في الصورة بهذه الطريقة:

ضعف النمو انخفاض العوائد الحقيقية تيسير نقدي ضغوط مالية ضعف الدولار قد يشكل بيئة داعمة للذهب.

أما وجود عوائد حقيقية مرتفعة، ودولار قوي، وضغوط مالية محدودة، وطلب استثماري ضعيف فقد يقلل من استفادة الذهب حتى مع تباطؤ الاقتصاد.

لذلك،قد يكون من الأدق اعتبار الذهب تحوطًا من بعضنتائج الضعف الاقتصادي والأزمات، وليس من الركود بحد ذاته.