وطني...
أتيتُ إليكَ أحملُ في يدي قلمي،
وفي الجبينِ سنابلُ الفكرِ والأملِ،
فما وجدتُ سوى أبوابٍ موصدةٍ،
تُفتحُ للقربى، وتُغلقُ للعقلِ والعملِ.
أضاعوا الموازينَ حتى صارَ المنصبُ
يُهدى لذي النسبِ الممدودِ لا للرجلِ،
وصارَ علمُ الفتى حملًا يُثقله،
إذا خلا من قريبٍ صاحبِ الحِيَلِ.
كم عالمٍ باتَ يشكو الجوعَ من وطنٍ،
وكم جاهلٍ تعالى فوقَ خيرِ الأُوَلِ،
فالمجدُ عندهم ميراثُ عائلةٍ،
لا ثمرةُ الفكرِ، ولا إبداعُ العملِ.
قالوا: تقدَّم... فقلتُ: العلمُ يحملني.
قالوا: ومن عمُّكَ؟ فانسبْهُ إلى الدولِ!
فعلمتُ أن طريقَ المجدِ منقطعٌ،
إذا القرابةُ صارت خاتمَ القبولِ.
يا ويحَ وطنٍ يُهينُ الفكرَ مبتسمًا،
ويزرعُ الشوكَ في دربِ ذوي الأملِ،
حتى غدا الحرفُ يبكي في دفاترِهِ،
ويستغيثُ من التهميشِ والخذلِ.
ما هكذا تُبنى الأوطانُ يا وطني،
ولا الحضارةُ تُروى بدمعِ من عقلوا،
بل تُبنى حين يُكرَّمُ كلُّ مجتهدٍ،
ويُرفعُ العدلُ فوقَ النسبِ والقبلِ.
سأبقى، وإن جارَ الزمانُ، مؤمنًا
بأنَّ للفجرِ بعدَ الليلِ مُتَّسعًا،
وأنَّ شعبًا يُفيقُ على الحقيقةِ يومًا،
سيجعلُ الكفاءةَ للوظائفِ معيارًا،
ويُسقطُ كلَّ امتيازٍ قامَ على القرابةِ والهوى.
فإن عتبتُ على وطني، فما كرهتُهُ،
لكنني أحببتُهُ حتى وجعتُ به،
فالجرحُ أصدقُ ما يكونُ إذا أتى
من قلبِ عاشقٍ يرجو لوطنِهِ الكمال.
إنها ليست قصيدةً، بل منظومةُ عشقٍ من صنيعِ الألم، ترادفت على جسدي، وسرت عدواها في عروقي، حتى غدت كلُّ نبضةٍ من نبضات قلبي تنطق باسم الوطن.
فقدتُ دفاتري التي أفنيتُ نصفَ عمري أُسطِّر فيها أحلامي، وأزرع بين صفحاتها أملي في وطنٍ أبحث عنه، وأسهم في بنائه، فإذا بي أبحث عن وطنٍ يبني أبناءه قبل أن يبني جدرانه.
لكنها سخريةُ القدر، وعثرةُ الحظ، إذ كان جرمي الوحيد أنني لستُ من ذوي القربى إلى السلطان، ولا من حَمَلَةِ مفاتيح النفوذ. فحُكم عليَّ أن أعيش في نصف وطنٍ؛ وطنٍ لا يحكمه ميزانُ الكفاءة، بل سلطانُ القرابة، ولا تُفتح فيه أبوابُ الوظائف بالمؤهلات، بل بالمجاملات.
أأكتب عنك يا وطني ما يُطفئ لهيب غُلَّتي، ويُسكن ثورة قلبي؟ كلا... فلستَ أنت الجاني، وإنما جناك الذين احتموا باسمك، وتاجروا بحلمك، واحتكروا منافذك، حتى ضاقت بهم سعةُ الوطن، واتسعت لهم ضيقُ المصالح.
أولئك الذين جعلوا القرابةَ دستورًا، والكفاءةَ استثناءً، والولاءَ للأشخاص فوق الولاء للوطن، فارتفعت المناصبُ بمن لا يستحق، وانخفضت الهاماتُ التي تستحق.
كم من عالمٍ أُقصي لأنه لا يملك واسطة، وكم من جاهلٍ ارتقى لأنه يملك قرابة! وكم من قلمٍ كُسرت سنُّه قبل أن يكتب، وكم من عقلٍ هاجر قبل أن يُثمر! حتى غدا الصمتُ حكمةً، والكلمةُ تهمةً، والإبداعُ غربةً في وطنه.
أيها الوطن... ما زلتُ أحبك حبَّ العاشق الذي لا تزيده الجراح إلا وفاءً، ولا تزيده الخيبات إلا تعلقًا. فأنت بريءٌ من أوجاعك، وإنما أوجعك من جعلوا الوطن مزرعةً لمصالحهم، والمناصب إرثًا لأقاربهم، والكفاءة ضيفًا ثقيلًا على موائدهم.
سيأتي يومٌ تسقط فيه الأقنعة، وتذبل فيه شجرةُ المحسوبية، ويعلو فيه صوتُ الضمير على ضجيج المصالح، ويعود فيه الوطن وطنًا لكل أبنائه، لا إقطاعيةً لذوي القربى.
فما خذلني الوطن، ولكن خذلته الأيدي التي ادَّعت حمايته، وما أوجعني التراب، وإنما أوجعني من باعوا التراب، وما فقدتُ الإيمان به يومًا؛ لأن الأوطان تبقى، أما المتسلقون على أكتافها فيرحلون، ويبقى التاريخ شاهدًا لا يجامل، وقاضيًا لا يظلم.