تزخر الساحة اليمنية بأسماء قيادية استطاعت أن تجمع بين العلوم الشرعية، والوجاهة الاجتماعية، والمسؤولية الوطنية في أحلك الظروف السياسية والتاريخية التي تمر بها البلاد. ومن بين أبرز الشخصيات المعتدلة التي تصدرت المشهد الإداري والديني والسياسي حديثاً، يبرز اسم الشيخ تركي بن عبدالله بن علي بن مقود الوادعي، وزير الأوقاف والإرشاد في الحكومة اليمنية. يمثل الوادعي نموذجاً لجيل من القادة الذين صقلتهم التجارب الميدانية والشرعية، قبل أن يتولوا زمام المؤسسات الرسمية في توقيت مفصلي يتطلب أدوات إدارية وفكرية غير تقليدية.
النشأة والخلفية العلمية: منبع الأصالة في دماج
ولد الشيخ تركي بن عبدالله الوادعي في منطقة "دماج" بمحافظة صعدة (شمالي اليمن)؛ وهي البقعة الجغرافية التي عُرفت لعقود طويلة بأنها واحدة من أهم قلاع التعليم الشرعي وحفظ العلوم الإسلامية في العالم الإسلامي. ينتمي الشيخ تركي إلى قبيلة "وادعة همدان" العريقة، وهي بيئة مكنته مبكراً من دمج الوجاهة القبلية والعمق الاجتماعي بالحصانة العلمية.
تلقى تعليمه الشرعي الأولي والعالي في المراكز العلمية السلفية في مسقط رأسه، وكان من أبرز طلاب عالم الحديث والفقيه ، العلامة الشيخ مقبل بن هادي الوادعي (رحمه الله تعالى). هذا التكوين العلمي الرصين أكسبه ملكة شرعية وفهماً عميقاً للنصوص والأصول، مما أهله لاحقاً للانخراط بفاعلية في مجالات:
التدريس الشرعي: إلقاء المحاضرات وتأصيل طلبة العلم.
الخطابة والوعظ: تقديم خطاب ديني متزن يلامس قضايا المجتمع.
البرامج الدعوية والتوعوية: التركيز على نشر قيم الوسطية والاعتدال، وحماية النسيج المجتمعي اليمني من الأفكار الدخيلة والمستوردة.
محطات من الثبات والموقف الوطني: من ميدان الفكر إلى خنادق الدفاع
لم تكن حياة الشيخ تركي الوادعي مقتصرة على زوايا المساجد والمراكز العلمية؛ بل فرضت عليه التحولات السياسية والعسكرية في اليمن الانتقال إلى الميدان العام. برز اسمه بشكل لافت خلال أحداث حصار دماج الشهير (2011–2013)، حيث كان من الوجوه البارزة والمرتبطة بالمركز العلمي، متصدراً جهود الدفاع عن المنطقة وسكانها أمام الهجمات العنيفة التي شنتها جماعة الحوثي.
عقب خروج أبناء دماج القسري والمهجرين من ديارهم، لم ينكفئ الشيخ تركي على نفسه أو يختار الانزواء، بل تحول موقفه الرافض للفكر السلالي الكهنوتي إلى عمل ميداني ووطني ثابت، ومن أبرز محطاته:
الجهد العسكري والقبلي: أسهم في إسناد الحكومة الشرعية وتعبئة الطاقات القبلية لمواجهة الانقلاب.
القيادة الميدانية: قاد تشكيلات عسكرية في جبهة "البقع" بمحافظة صعدة، بإسناد مباشر من تحالف دعم الشرعية في اليمن، محققاً معارك ميدانية هامة على تخوم المعقل الرئيسي للجماعة الحوثية.
العمل المرجعي والسياسي: امتد نشاطه الوطني ليصبح عضواً فاعلاً في "جمعية علماء اليمن". كما شارك بفاعلية كشخصية قبلية ودينية بارزة في "مشاورات الرياض"، مما عزز حضوره كقوة توازن دينية وسياسية تحظى باحترام وثقة مختلف المكونات الوطنية والسياسية في صف الشرعية.
تولي حقيبة الأوقاف والإرشاد: عهد التنظيم والتطوير المؤسسي
مع مطلع عام 2026م، وتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة دولة رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، نال الشيخ تركي بن عبدالله الوادعي ثقة القيادة السياسية ممثلة بفخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي وأعضاء المجلس، ليؤدي اليمين الدستورية وزيراً للأوقاف والإرشاد.
جاء هذا التعيين في مرحلة دقيقة وحرجة من تاريخ اليمن، وهي مرحلة تتطلب جهوداً مضاعفة لترسيخ الهوية الوطنية، ومواجهة تجريف الهوية والأفكار المتطرفة، إلى جانب تحديث قطاع الخدمات الدينية. ومنذ الأيام الأولى لتوليه المنصب، ركز الوزير الوادعي على مسارين متوازيين:
المسار الإداري والتكنولوجي: البدء في أتمتة وهيكلة قطاع الحج والعمرة، وتبسيط المعاملات لمحاربة السمسرة والفساد.
المسار الفكري والإرشادي: تعزيز الوعي المجتمعي، وتفعيل دور الخطباء والمرشدين في لم الشمل، ونبذ الفرقة، والتركيز على الخطاب الجامع الذي يدعم مؤسسات الدولة ويثبت السلم الأهلي.
موسم حج 1447هـ: الاختبار اللوجستي الأبرز والنجاح المشهود
يُعد إعلان الوزير تركي الوادعي مؤخراً عن نجاح موسم الحج لعام 1447هـ لحجاج الجمهورية اليمنية بمثابة التتويج الأبرز لجهوده الإدارية المبكرة؛ حيث تميز هذا الموسم برفع مستوى التنسيق المسبق، وتوقيع وثائق الترتيبات الأولية مع وزارة الحج والعمرة بالمملكة العربية السعودية بوقت كافٍ تلافياً لأي عقبات أو تكدس.
ولم تكن إدارة الوزير للملف من خلف المكاتب المغلقة، بل شملت جهوده الميدانية ما يلي:
الإشراف المباشر والزيارات المفاجئة: تفقد مساكن الحجاج في مكة المكرمة للتأكد من مطابقتها للمعايير الإنسانية والصحية.
متابعة الخدمات: الإشراف على مطابخ الإعاشة ونوعية الأطعمة المقدمة، وجاهزية اللجان الطبية اليمنية في مكة والمشاعر المقدسة (منى وعرفات).
تسهيل المناسك: تذليل الصعاب أمام الحجاج وتوفير وسائل النقل المريحة، مما أسهم في أداء الحجاج اليمنيين لمناسكهم بكل يسر وسهولة برغم الظروف الاقتصادية والاستثنائية الصعبة الناتجة عن الحرب المستمرة في البلاد.
ختاماً
يمثل الشيخ تركي بن عبدالله الوادعي في منصبه اليوم حلقة وصل حيوية وحاسمة بين الأصالة العلمية الشرعية والمرونة الإدارية الحديثة. ومستنداً إلى تاريخ حافل بالثبات الميداني والشرعي، واجماع مجتمعي وقبلي، يبدو الوادعي مؤهلاً ومستعداً للمضي بوزارة الأوقاف والإرشاد نحو آفاق أرحب من التطوير المؤسسي، وتحصين الفكر والوعي اليمني، لتبقى المساجد والمنابر ركائز أساسية في معركة استعادة الدولة وبناء المستقبل المأمول.