أمتعنا بأعماله الإعلامية والثقافية والأدبية لما يقارب ستة عقود. أعمال وطنية لا زالت عالقة في أذهان الجميع. إنه القامة الإعلامية الشاعر الراحل محمود علي الحاج، الذي وافاه الأجل بعد حياة حافلة بالعطاء الوطني في مجالي الإعلام والثقافة.
*مسيرة من نور*
عرفنا هذه القامة من خلال الثنائية الفنية الخالدة مع الفنان والموسيقار أحمد فتحي، التي أنتجت أعمالاً وطنية وعاطفية سكنت قلوب اليمنيين. كما عرفناه من خلال برنامجه الثقافي بقناة اليمن "إكليل"، تلك الوجبة الأسبوعية الدسمة التي حظيت بمتابعة كبيرة من داخل الوطن ومن خارجه لما احتوته من فقرات متنوعة في الأدب والثقافة والفن.
*زميل وزادنا معرفة*
غمرتنا السعادة بأن نكون زملاء عمل من خلال التحاقنا بقناة اليمن الفضائية في عام 1998م. وظل التواصل مع الأستاذ محمود مستمراً، ومكتبه مفتوح للجميع. يستقبلك بروحه الطيبة وأسلوبه الجميل، ونتبادل معه الآراء ويرحب بالمقترحات. وعند الحديث عن الفن الحضرمي يذكر إعجابه الكبير بأعمال الشاعر والملحن حسين المحضار، وأيضاً أغنية "قال الفتى" للشاعر حداد بن حسن الكاف، وبأغاني الفنان أبوبكر سالم بلفقيه والفنان محمد جمعة خان وغيرها من الاعمال. وكنا ننهل منه كثيراً من المعارف والمهارات لخبرته الطويلة.
*من عدن إلى العالم العربي*
تلقى تعليمه في مدينة عدن في فترة تعج بالتعليم والأدباء والثقافة، وكان يكن لها محبة خاصة. تدرج في العمل الصحفي في عدة صحف، منها صحيفة "14 أكتوبر" وصحيفة "الثورة". وكان فاهماً لعمله لما يملك من موهبة، واستطاع أن يرتقي بالبرامج الثقافية إلى الأعلى. وله صولات وجولات في عدة أقطار عربية. يملك ثقافة عالية مكنته من محاورة عمالقة الأدب والفن في الوطن العربي.
تعرض لمضايقات وأقصي من مناصب، إلا أنه ظل شامخاً.لم يغادر وطنه مثلما يفعل الأخرين ، فمثل هذه الشخصيات تعد إضافة منصب و لأي عمل، لكنها السياسة في بلادنا .
*صديق العمر وأغنية العمر*
دائماً كان يشيد بالمواقف الطيبة التي يقدمها له صديق العمر الفنان القدير أحمد فتحي، وهي قصة نجاح أثمرت لنا أعمالاً خلدها التاريخ.
يحكي عن بعض الأعمال الغنائية وقصصها التي قدمها للفنان أحمد فتحي، منها ما قالها في القاهرة. وله أعمال شعرية من الفصيح. وعندما يرسل له الفنان فتحي لحناً يريد وضع كلمات عليه، لن يجد ضالته إلا عند الأستاذ محمود. وبالفعل تكتمل عناصر ذلك العمل الفني كلاماً ولحناً وأداءً.
كما أن له العديد من الابتهالات الدينية التي قدمت في برامج شهر رمضان المبارك.
وكثير هي أعماله الرائعة، منها *"لا تسافر"* وهي قمة في الإبداع. وله عدد من الدواوين الشعرية، وأهداني ديوانه الشعري الذي أسماه *"لا تسافر"*.
> *لا تسافر يا حبيبي*
> *خلنَا بالله نرتاح من قساوات الزّمنْ*
> *خلّها النيرانْ تهدأ وسْطَ جوفي*
> *لا ترجِّعْني لخوفي*
> *خلّنا ننسى مواويلَ الشجنْ*
> *لا تسافر.. لاتـروحْ عني بعيد*
> *لا تخلّي الحزنَ لو سافرتْ في قلبي يزيـد*
> *لا تسافر لا تسافرْ.. لا تسافرْ*
عمل رائع جداً، حتى الفنان أحمد فتحي أسمى ألبومه الغنائي "لا تسافر".
*الفراق*
سافر الجميع وفرقتنا ظروف الحرب وأبعدتنا عن القناة، ودخلت البلاد في نفق مظلم، وتفرقنا في أماكن شتى. رغم أن القلوب تكن المحبة والتقدير. وظل التواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وآخر لقاء جمعني به كان في مكتب الراحل الدكتور عبدالعزيز المقالح بمركز الدراسات والبحوث قبل عقد من الزمن. ومن بعدها عانى من المرض في ظل إهمال للكوادر الوطنية، رغم ما يملك من علاقات قوية مع الساسة. لكن الأستاذ محمود لا يحب التملق وتقديم التنازلات، وظل وطنياً شامخاً لا تغريه المغريات ولا زخرف الحياة الدنيا.
لن ننسى تلك اللقاءات والسنوات التي جمعتنا به، وظلت في الذاكرة. ومهما تحدثنا عنه لن نوفيه حقه إطلاقاً. وعندما شاع خبر وفاته في يوم عظيم، يوم الجمعة، ضجت وسائل الإعلام المختلفة بنشر الخبر الحزين بوداع قامة وطنية سامقة قدمت للوطن عصارة جهد شبابها حباً للوطن. حزن الكثير على وداعه، وانتابني الحزن العميق لما يربطني به من علاقة طيبة، ولكنها إرادة الله.
ومن مدينة تريم الغنّاء حضرموت أعزي أبناءه وأهله وزملاءه في الوسط الإعلامي وقناة اليمن الفضائية بهذا المصاب الجلل. وإنا على فراقه لمحزنون. *إنا لله وإنا إليه راجعون.*