عرفت الشاعر السوري الكبير، مهند حليمة رحمه الله، من خلال "رابطة شعراء العرب".
وربطتني به علاقة مودة وصداقة نادرة، فقد وجد كل منا ضالته في الآخر، بعد أن مللنا من الشوائب التي كانت تعكر ماء الشعر بين الكثير من الشعراء في المنتديات الشعرية العربية. تارة سياسية، وتارة أخرى طائفية.
وكان الاختلاف يفسد كل علاقات الود الهشة التي بنيت على المجاملة والنفاق.
لدرجة أني سألت الأستاذ محمد البياسي، رئيس "رابطة شعراء العرب": "ماذا لو وصل الشعراء إلى كرسي الحكم في الدول العربية؟"
فأجابني قائلاً: "لو حدث ذلك لدخلنا في حروب أهلية ليس لها أول ولا آخر".
وكنا نتسامر كل ليلة تقريباً في العاشرة مساء.
وعندما مرضت بجائحة كورونا، كان مهند حليمة يلف المنتديات الأدبية العربية سائلاً الأصدقاء الدعاء لي بالشفاء، ولم يترك وسيلة متاحة للسؤال عني.
وكان يترجاني السفر إلى القاهرة، بعد أن رتب لي مع الدكتور محمد صلاح في الدقي أمور السكن والعلاج.
والحمد لله الذي عافاني من هذه الجائحة وكفاني مشقة السفر .
من الذكريات التي لا تنسى، مع عاطر الذكر وما أكثرها، حين كتب معلقاً على قصيدتي "أشواق دمشقية" قائلاً:
"عندما يحمل القلب أوجاع الشام واليمن والقدس والعراق وينزفها شعرا كهذه الرائعة، علينا أن نبني من قلبك صرحا نضعه في ساحاتها العامة لنتذكر دائما أننا واحد.
بالنسبة لي قد أخذت صورة 'سيلفي مع قلبك هنا'.
لقد كنا نبكي سويا.
لله أنت وهذا النص الكبير."
---
*أَشْوَاقٌ دِمَشْقِيَّةٌ*
عَادَتْ بِرَجْعِ الصَّدَى، يَا شَامُ، أَشْجَانُ،
وَشَعَّ مِنْ أَلَقِ التَّارِيخِ عُنْوَانُ.
يُدَنْدِنُ اللَّيْلُ، وَالْأَنْسَامُ بَارِدَةٌ،
وَلِلْأَحَادِيثِ أَشْوَاقٌ وَأَلْحَانُ.
كَمْ شَاعِرٍ فِيكِ أَهْدَى اللَّيْلَ أُغْنِيَةً،
وَبَاحَ بِالْعِشْقِ، وَالْأَشْوَاقِ هَيْمَانُ.
يَظَلُّ يَسْأَلُ: هَلْ مَرَّ الْغَمَامُ عَلَى
دِمَشْقَ، أَوْ طَافَ بِالْفَيْحَاءِ نَيْسَانُ؟
الشِّعْرُ عِطْرُ حَبِيبٍ غَابَ مِنْ زَمَنٍ،
وَلَمْ تَغِبْ لَوْعَةٌ يَوْمًا وَتَحْنَانُ.
فَلَا الزَّمَانُ الَّذِي وَلَّى سَيُرْجِعُهُ،
وَلَا اعْتَرَاهُ مَعَ الْأَيَّامِ نِسْيَانُ.
مَتَى يَعُودُ زَمَانُ الْوَصْلِ، يَا بَرَدَى؟
فَمَا ارْتَوَى بَعْدَ طُولِ الْبَيْنِ ظَمْآنُ.
فَقَدْ تَبَاعَدَتِ الْأَسْفَارُ، وَانْكَسَرَتْ
أَحْلَامُنَا، وَانْحَنَتْ بِالْقَهْرِ أَوْطَانُ.
نَادَيْتُ: "يَا شَامُ"، وَالْأَيَّامُ مُقْفِرَةٌ،
وَالْحَرْبُ تَعْصِفُ، وَالتَّارِيخُ وَسْنَانُ.
لَعَلَّ بَعْضَ الَّذِي أَرْجُوهُ يُسْعِفُنِي،
بِهِ الْقَرِيضُ إِذَا مَا عَزَّ تِبْيَانُ.
سَلْ كَيْفَ تَسْلُو مِنَ الْأَوْجَاعِ شَامِيَّةٌ،
وَكَيْفَ يَنْفَعُ بَعْدَ السُّقْمِ سُلْوَانُ؟
وَكَيْفَ يَنْسَى حَمَامُ الرُّوحِ رِفْقَتَهُ،
وَقَدْ نَأَتْ فِي بِلَادِ اللهِ خِلَّانُ؟
لَقَدْ بَعَثْتَ الْأَسَى، يَا طَيْفُ، أَزْمِنَةً،
زَهَتْ بِهَا الْعُرْبُ، وَالتَّارِيخُ نَشْوَانُ.
لَوْلَا دِمَشْقُ لَمَا لَاحَتْ مُرَفْرِفَةً،
رَايَاتُنَا، وَاحْتَفَتْ بِالنُّورِ بُلْدَانُ.
دِمَشْقُ، مِنْ رَوْعَةِ الْأَزْمَانِ، شَاهِدَةٌ؛
فَكَيْفَ يَجْهَلُ بِالتَّارِيخِ إِنْسَانُ؟
وَكُلَّمَا أَنَّ: "يَا بَغْدَادُ"، مِنْ وَجَعٍ،
نَهْرٌ، وَضَجَّتْ مِنَ الْآهَاتِ خِلْجَانُ.
بَعَثْتُ لِلْقُدْسِ بِالْأَسْحَارِ مَرْثِيَّةً،
وَرُحْتُ أَسْأَلُ: هَلْ فِي الشَّامِ مَرْوَانُ؟
فَمَا أَعَادَ صَدَى الْأَشْعَارِ مِئْذَنَةً،
وَلَا امْتَطَى صَهْوَةَ الْأَمْجَادِ فُرْسَانُ.
لِلْجَهْلِ فِي وَطَنِ الْإِيمَانِ أَلْوِيَةٌ،
وَلِلْحَمَاقَاتِ أَحْزَابٌ وَطُغْيَانُ.
هُنَا الْمَوَاعِيدُ مَا زَالَتْ مُؤَجَّلَةً،
"وَنَحْنُ فِي الْجُرْحِ وَالْآلَامِ إِخْوَانُ".
لقد كنا نبكي سويا يا مهند،
وها أنا أبكيك وحدي.
وقد عاد الأحباب إلى دمشق، وأوغلت وحدك في سفرك الطويل.
" فآه من قلّةِ الزّاد ، وطول الطَّريق ، وَبعد السَّفر."
رحمك الله رحمة الأبرار.
*محمد الجعمي*
عدن – اليمن
الخميس 9 مايو 20