نظم المركز الثقافي اليمني في القاهرة، يوم أمس الاثنين، محاضرة بعنوان "إعادة بناء الدولة في اليمن ما بعد الصراع (2011–2026): الأسس، التحديات، الآليات، والنماذج المقترحة"، قدمها الباحث والأكاديمي الدكتور عبدالغني حميد الصيادي، وأدارها الدكتور محمد الحميري، بحضور عدد من أعضاء مجلس النواب وقيادات سياسية وعسكرية رجال اعمال وممثلي لمراكز دراسات في بلادنا واعلاميين وباحثين .
واستعرض الدكتور الصيادي، في محاضرته رؤية متكاملة لإعادة بناء الدولة اليمنية، انطلاقاً من تشخيص أسباب تعثر جهود التسوية السياسية وإخفاق محاولات استعادة مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن الأزمة اليمنية لم تعد مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل تحولت إلى أزمة بنيوية تتطلب مشروعاً وطنياً شاملاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس حديثة.
وأوضح أن إعادة البناء لا يمكن أن تتحقق دون استقرار سياسي وأمني يواكبه إصلاح مؤسسي شامل، يقوم على ترسيخ سيادة القانون، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، ومكافحة الفساد، وإعادة بناء الإدارة العامة وفق معايير الكفاءة والجدارة، بما يضمن استعادة ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
وأشار الصيادي، إلى أن التعافي الاقتصادي يمثل أحد أهم مرتكزات الاستقرار، داعياً إلى إطلاق برنامج اقتصادي يستند إلى استقرار السياسة النقدية، وتحسين بيئة الاستثمار، وإعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية، بالتوازي مع الاستثمار في رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب وبناء القدرات المؤسسية.
وأكد أن العدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية تشكلان شرطاً أساسياً لمعالجة آثار الصراع ومنع تكراره، إلى جانب تبني نظام إداري يعزز اللامركزية الرشيدة في إطار دولة موحدة يسودها القانون، وبناء شراكات إقليمية ودولية داعمة لعملية إعادة بناء المؤسسات واحترام سيادة اليمن.
وتضمنت المحاضرة استعراضاً لعدد من التجارب الدولية في إعادة بناء الدول الخارجة من النزاعات، مع تحليل إمكانية الاستفادة من تلك النماذج وتكييفها مع الواقع اليمني، بما يسهم في تقديم حلول عملية وقابلة للتطبيق خلال مرحلة ما بعد الصراع.
وخلصت الورقة العلمية التي قدمها الدكتور الصيادي في المحاضرة إلى مجموعة من الرسائل الاستراتيجية، أبرزها أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق دون دولة قادرة، ولا دولة قوية دون مؤسسات مهنية وفاعلة، وأن الإصلاح المؤسسي يجب أن يسبق مشاريع إعادة الإعمار، باعتباره الضامن لاستدامة التنمية والاستقرار.
كما أكدت أن الاقتصاد المستقر يمثل إحدى أهم ركائز الاستقرار السياسي، وأن العدالة الانتقالية تمثل ضمانة حقيقية لعدم تجدد الصراع، فيما تعد المواطنة وسيادة القانون الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة.
وشددت الورقة على أن نجاح أي تسوية سياسية لا يقاس بمجرد توقيع الاتفاقات، وإنما بقدرتها على إنتاج مؤسسات مستقرة وفاعلة، معتبرة أن مستقبل اليمن مرهون بقدرة اليمنيين على صياغة عقد اجتماعي جديد يجعل الدولة إطاراً جامعاً لجميع المواطنين دون إقصاء.
واختتم الدكتور الصيادي محاضرته بالتأكيد على أن الورقة لا تكتفي بوصف الأزمة، وإنما تقدم رؤية عملية تساعد صناع القرار والباحثين على الانتقال من إدارة الصراع إلى بناء الدولة، انطلاقاً من أن استقرار اليمن أصبح عاملاً مؤثراً في أمن المنطقة واستقرار الممرات البحرية والتجارة الدولية، الأمر الذي يجعل إعادة بناء الدولة اليمنية مسؤولية وطنية ذات أبعاد إقليمية ودولية.
وأكدت المداخلات في ختام المحاضرة على ضرورة توحيد الرؤى لحل الأزمة اليمنية، وأحياء أهداف ثورة ٢٦ سبتمبر، لابتعاث اليمن الجمهوري من جديد من تحت ركام الانقلاب الحوثي بعد طي صفحته كليا.
ندوة حول إعادة بناء الدولة في اليمن بعد الصراع للدكتور الصيادي في المركز الثقافي اليمني بالقاهرة