بعد أكثر من عقد من الحرب وتداعياتها الاقتصادية والأمنية، يحاول رئيس الوزراء ووزير الخارجية الدكتور شائع محسن الزنداني وضع مسار مختلف للحكومة اليمنية، عبر التركيز على الإصلاح المؤسسي وتخفيف معاناة المواطنين في المحافظات المحررة.
من إدارة الأزمة إلى بناء الأساس
تسلم الزنداني مهامه قبل ستة أشهر تحديدا في 16 يناير 2026، في لحظة بدت فيها مؤشرات الدولة أكثر هشاشة: انهيار العملة الوطنية، أزمة وقود وكهرباء متفاقمة، تأخر صرف الرواتب، وتراجع الأمن، وهي ملفات تصفها الحكومة بأنها نتائج مباشرة للتدمير الممنهج لمؤسسات الدولة بفعل الحرب التي أشعلتها ميليشيات الحوثي الانقلابية المدعومة من إيران.
وبدلا من الاكتفاء بمعالجات إسعافية، ذهب رئيس الوزراء إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي من خلال أبرز خطواته خلال الفترة الماضية:
1. حكومة كفاءات وتقليص مظاهر الفساد
شكّل الزنداني حكومة اعتمدت على معايير الخبرة والكفاءة المهنية، مع إعطاء مساحة أوسع للكوادر الشابة التي سبق أن أثبتت نجاحها في مهام تنفيذية، ورافق ذلك تفعيل ضوابط قانونية وإدارية تهدف إلى كبح الفساد المالي والإداري، وإعادة تفعيل دور المؤسسات الإيرادية لرفد خزينة الدولة.
2. إعادة الاعتبار للقرار المؤسسي
عمل على دمج التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن إطاري وزارتي الدفاع والداخلية، وتفعيل الأجهزة الرقابية، كما ينشط في عقد لقاءات يومية مع قيادات القطاعات الحيوية في المحافظات المحررة، لبحث حلول عاجلة لملفات الكهرباء والوقود والخدمات الأساسية.
3. استقرار نقدي وخدمي تدريجي
من الملفات التي أولاها أولوية: العمل على وقف تدهور العملة الوطنية مقابل العملة الاجنبية، ومتابعة خطة إنقاذ لما يمكن إنقاذه من قطاعات انهارت خلال سنوات الحرب، ورغم أن الأثر لم يصل إلى الشارع بالكامل، الا ان هذه الإجراءات وضعت اللبنات الأولى لاستقرار مالي وإداري يمكن لمس اثره خلال الفترة القريبة المقبلة ان وجد التعاون المسؤول والحريص من قبل كافة الاطراف في المحافظات المحررة.
4. استعادة العلاقات الخارجية
بخبرته الدبلوماسية التي تمتد لأكثر من أربعين عاما، حيث نجح الزنداني وفي فترة قصيرة في ترميم جسور التواصل مع الشركاء الإقليميين والدوليين، في مقدمتهم المملكة العربية السعودية الداعم الأكبر للشرعية اليمنية، إضافة إلى المنظمات الدولية الداعمة التي عادت للعمل من العاصمة المؤقتة عدن بعد فترة قطيعة، وهو ما فتح نافذة لدعم إنساني وتنموي أوسع.
قبول سياسي ورصيد دولة:
يحظى الزنداني بتقاطع قبول محلي وخارجي، باعتباره رجل دولة بعيدا عن التعصب الحزبي أو المناطقي، وملتزم بخيار النظام والقانون، هذا الرصيد مكّنه من توحيد الخطاب السياسي للشرعية وتثبيت أولويات المرحلة: الاستقرار المالي، محاربة الفساد، الإصلاح الإداري، وتوحيد القرار في مواجهة الميليشيات الحوثية.
يقول مقربون من مكتب رئيس الوزراء إن الهدف من المرحلة الحالية ليس تحقيق نتائج كاملة في ستة أشهر، بل إخراج الدولة من حالة الارتجال إلى حالة مؤسسات تعمل بضوابط واضحة، حتى لو كان ذلك بوتيرة حذرة.
الخلاصة:
بين انهيار عام ورثته الحكومة وبين آمال شارع أنهكته الأزمات، يحاول الدكتور شائع الزنداني ترسيخ معادلة جديدة: إصلاح من الداخل، وسند من الخارج، وخطاب سياسي موحد، على ان التحدي الأكبر يبقى في ترجمة هذه الخطوات إلى تحسن ملموس في الكهرباء والرواتب والأسعار، لأن معيار النجاح في النهاية سيقاس بما يصل إلى المواطن.