في خطوة وصفت بالإستراتيجية لتعزيز السيادة الغذائية وتوطين الصناعة، شرعت الحكومة اليمنية في عدن عبر وزارة الصناعة والتجارة، في تنفيذ قرار يقضي بفرض رسوم تعويضية بنسبة 20 % على واردات الدقيق ومياه الشرب، وهو القرار الذي دخل حيز التنفيذ مطلع مايو الجاري بهدف الحد من ممارسات الإغراق التي أضرت بالسوق المحلية، وحماية رؤوس الأموال الوطنية والأيدي العاملة في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وتصاعد الأزمات الجيوسياسية.
ويرى مراقبون اقتصاديون أن هذه الخطوة تمثل حافزا مهما للقطاع الخاص لتوسيع استثماراته في صوامع الغلال وتطوير قدراتها الإنتاجية، بما يسهم في ترسيخ دعائم الأمن الغذائي والتحرك تدريجيا نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي المستدام.. في حين يحذر خبراء من اختزال قضية الأمن الغذائي في مقارنات سعرية آنية بين السلع المستوردة والمنتج المحلي، مؤكدين أن التوسع غير المدروس في استيراد المنتجات النهائية على حساب المواد الخام _ وفي مقدمتها القمح المخصص للطحن _ يلحق أضرارا هيكلية بالاقتصاد الوطني، نظرا للفارق الجوهري بين اقتصاد يقوم على التصنيع والإنتاج ، وآخر قائم على الاستهلاك والاعتماد المستمر على الخارج.
فخ الاستيراد وفرص العم
تبرز هنا أهمية التمييز بين استيراد المواد الخام والمنتجات الجاهزة، فاستيراد القمح الخام يمثل مدخلا إنتاجيا يدعم سياسات إحلال الواردات ويحفز خلق القيمة المضافة محليا، فضلا عن تنشيط الدورة النقدية وتوفير فرص عمل مستدامة، على العكس من استيراد الدقيق الجاهز الذي يشكل تصديرا غير مباشر لفرص العمل واستنزافا دائما للميزان التجاري يحرم الاقتصاد من توليد تلك القيمة ويحول السوق اليمني إلى ساحة استهلاكية مرتهنة للتقلبات السعرية والصدمات الخارجية.
وبناء على ذلك.. فإن غياب السياسات الحمائية الرادعة للإغراق يضع المطاحن الوطنية أمام منافسة غير عادلة تؤدي تدريجيا إلى تآكل قدرتها التنافسية وربما انهيارها؛ حيث لا تتوقف تداعيات هذا الانهيار عند تسريح عشرات الآلاف من العمالة المباشرة وغير المباشرة، وإنما تمتد لتصيب القطاعات المرتبطة بها — كالنقل والتعبئة والخدمات اللوجستية — بحالة من الانكماش والركود، مما يفضي في النهاية إلى تبديد أصول رأسمالية تراكمت عبر عقود وإدخال الاقتصاد الوطني في دائرة من التبعية الهيكلية والركود طويل الأمد.
الحماية كتوجه عالمي
الحقيقة، رغم أهمية قرار فرض نسبة الـ20% محليا، إلا أن التجارب الدولية تشير إلى أن هذه النسبة تمثل الحد الأدنى من أدوات الحماية الاقتصادية التي باتت توجها إستراتيجيا تتبناه كبرى الاقتصادات العالمية لحماية أمنها القومي والغذائي؛ فعلى المستوى الإقليمي تطبق دول الخليج "القانون الموحد لمكافحة الإغراق" وتفرض الجزائر رسوما تصل إلى 30% على الدقيق المستورد بدعم من إجراءات ضريبية إضافية، أما دوليا فيعتمد الاتحاد الأوروبي والصين أنظمة دفاع تجاري صارمة لمواجهة السلع المدعومة، بينما رفعت الهند رسومها الحمائية على بعض السلع الغذائية الحساسة إلى ما بين 40% و60%، وهو النهج ذاته الذي تتبعه الفلبين وإندونيسيا، في حين تفرض الولايات المتحدة رسوما تعويضية مرتفعة تتجاوز 100% في بعض القطاعات الصينية، مما يؤكد أن التدابير التعويضية تختلف جذريا عن الرسوم الجمركية التقليدية، باعتبارها أدوات سيادية تلجأ إليها الدول لحماية بنيتها الاقتصادية الحيوية وضمان استقلال قرارها الغذائي والصناعي.
الركيزة الإستراتيجية المحلية
يمتلك اليمن بنية تحتية صناعية قوية وقادرة على الصمود، متمثلة في تسع مطاحن ومصانع غلال كبرى قائمة وتعمل بطاقات إنتاجية عالية وباعتماد كامل على عمالة يمنية بنسبة 100%، إذ لا ينحصر الدور الحيوي لهذه المنظومة المتكاملة في توفير مادة الدقيق اليومية وتلبية احتياجات الأسواق الآنية فحسب، وإنما تكمن قيمتها الإستراتيجية في تمثيلها للمخزون الإستراتيجي الفعلي للبلاد بما تحوزه وتملكه من قدرات صومعية وتخزينية ضخمة ومجهزة لمجابهة تقلبات الزمن، والتي من شأنها تحصين الشعب اليمني وإبعاده عن شبح أزمات الغذاء العالمية المتلاحقة. ويجعل هذا الترابط الوثيق من القرار الحكومي الأخير خطوة تصحيحية لإعادة التوازن إلى بيئة الأعمال، وبما يضمن توفير الضمانات القانونية والاقتصادية اللازمة والمشجعة للقطاع الخاص نحو توسيع استثماراته الرأسمالية في هذه الصوامع، والعمل على رفع طاقاتها الإنتاجية لتأمين استقرار سلاسل الإمداد الداخلية تحت أي ظرف طارئ
الخلاصة
في المحصلة يتضح أن حماية المستهلك الحقيقية والمستدامة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتحقق عبر ترك الصناعات الوطنية تتهاوى وتنهار أمام إغراق خارجي برغيف رخيص وقصير المدى، وإنما تتجسد وتترسخ عبر فرض هيبة الدولة في ضبط الأسواق، ومنع الممارسات الاحتكارية، وضمان التدفق الآمن والمستقر للإمدادات السلعية والأسعار المتوازنة بما يضمن حماية الاقتصاد الكلي ويخدم مصلحة المواطن والمستهلك في آن واحد.