*المقالح: شاعر الحفر في الجدار*
ارتبط اسم الدكتور عبد العزيز المقالح في الوجدان اليمني بروح الثورة والبناء. قصيدته الشهيرة "سنظل نحفر في الجدار" لم تكن مجرد كلمات، بل كانت ميثاقاً وطنياً جسده بصوت الفنان أيوب طارش. لقد مثل المقالح لجيل كامل "ضمير الجمهورية"، والشاعر الذي طوع الفصحى لتغني للأرض والإنسان والحرية.
*صدمة الصمت والموقف الملتبس*
بعد عام 2014، ومع التحولات العميقة التي شهدتها العاصمة صنعاء، وجد اليمنيون أنفسهم أمام تساؤل مرير: أين غاب صوت المقالح؟
بالنسبة للكثيرين، كان الصمت في وجه القوى التي اعتبروها "مغتصبة للأرض" ومهددة للهوية الجمهورية بمثابة انكسار للرمز. فالمثقف الذي علم الناس "الحفر في الجدار" بدا وكأنه توقف عن الحفر حين أصبح الجدار واقعاً مفروضاً في عقر داره.
*جدلية "التطبيع" والبقاء في الداخل*
أثار ظهور المقالح في مناسبات أكاديمية ورسمية بجامعة صنعاء تحت سلطة "الأمر الواقع" انقساماً حاداً في الشارع اليمني:
*فالبعض:* يرى أن هذا الظهور تجاوز "الاضطرار" إلى نوع من التطبيع السياسي الذي منح شرعية رمزية لسلطة الحوثيين، معتبراً أن مكانة المقالح كانت تفرض عليه موقفاً أكثر وضوحاً و انحيازاً لقيم الجمهورية التي لطالما تغنى بها.
*أما من جهة أخرى*
يرى البعض أن المقالح كان رجلاً طاعناً في السن، منهك الجسد، محاصراً في مدينته، وأن بقاءه في صنعاء كان "صموداً صامتاً" يرفض من خلاله مغادرة تراب وطنه، معتبرين أن صمته كان أبلغ احتجاج في بيئة لا تقبل الاختلاف.
*إرث القصيدة مقابل إرث الموقف*
يبقى التساؤل قائماً: هل نُحاكم الشاعر بكلماته وقصائده التي صنعت ثورة، أم بمواقفه السياسية في لحظات الضعف الإنساني؟
إن رحيل المقالح لم ينهِ الجدل، بل فتحه على مصراعيه حول دور المثقف؛ هل هو قائد للرأي العام يصدم السلطة بالحقيقة، أم هو حارس للمؤسسات (كالجامعة) يحاول الحفاظ على ما تبقى منها حتى لو كلفه ذلك مهادنة الواقع؟
وفي الأخير سيظل عبد العزيز المقالح علامة فارقة في تاريخ الأدب اليمني، لكن سنواته الأخيرة ستبقى مادة دسمة للمؤرخين والنقاد لتدريس كيفية تقاطع "القصيدة الثورية" مع "الواقع السياسي المعقد"، وكيف يمكن للرمز أن يواجه تحديات تفوق طاقة الفرد وقدرته على التغيير.