تُعد عادة “التنصاع والمنصاع” واحدة من أبرز وأجمل الموروثات الشعبية التي عُرفت في مناطق يافع منذ القدم، حيث شكّلت جزءاً أساسياً من طقوس استقبال الضيوف في المناسبات الفرائحية، وعلى رأسها الأعراس ومواكب الشواعة والرفادة والنسب، في مشهد يجمع بين الحماس والمهارة ويعكس عمق الهوية الثقافية للمجتمع.
ويقوم “المنصاع” على فكرة التباري في الرماية، حيث يتم تجهيز أهداف صغيرة من أحجار “المرو” البيضاء أو ما يُعرف بـ”الأدواس”، وتوضع في موقع مخصص غالباً ما يكون في مناطق جبلية خالية من السكان، حفاظاً على سلامة الحضور. ويأتي اسم “منصاع” من نصوع حجر المرو شديد البياض، الذي كان يمثل الهدف الأساسي للرماة في هذا التحدي التقليدي.
وشكّل هذا الطقس على مدى سنوات طويلة وسيلة حضارية للتعبير عن الفرح واستقبال الضيوف، بديلاً عن إطلاق الأعيرة النارية في الهواء بشكل عشوائي، إذ أسهم في تقليل المخاطر، وفي الوقت ذاته خلق أجواء تنافسية مليئة بالإثارة والتشويق بين المشاركين.
ويبدأ المنصاع بتنظيم دقيق، حيث يتناوب الرماة على إطلاق النار وفق ترتيب معين يراعي السن والمكانة الاجتماعية، وغالباً ما يبدأ الأكبر سناً أو الأقرب إلى أهل المناسبة، فيما يلتزم الجميع بموقع محدد للرمي دون تجاوز، مع تحديد عدد الطلقات لكل مشارك. وفي حال إصابة الهدف، تعلو أصوات التشجيع من الحضور، ويصدح “المِلّاح” بصيحات الفخر، فيما تنطلق الزغاريد من النساء احتفاءً بالمُصيب.
وتتنوع الأهداف المستخدمة في المنصاع، فمنها “المرو” وهي أحجار بيضاء صغيرة، و”الأدواس” وهي أحجار سوداء طويلة توضع في أماكن مرتفعة، إضافة إلى أشكال أخرى كانت تُستخدم في أوقات سابقة مثل تغليف الحجارة بأوراق بيضاء أو استخدام خراطيش فارغة أو أعواد صغيرة كأهداف بديلة.
ويرافق هذه الفعالية عدد من الطقوس الشعبية، أبرزها الطبل والقصبة التي تضفي أجواء احتفالية مميزة، إضافة إلى “المحجرة” حيث تطلق النساء الزغاريد عند إصابة الأهداف، إلى جانب التشجيع الجماعي الذي يعزز روح التنافس ويمنح الحدث طابعاً اجتماعياً متكاملاً.
كما يكتسب المنصاع بعداً تعليمياً، إذ كان يُنظر إليه كوسيلة لتدريب الشباب على مهارات الرماية والانضباط في استخدام السلاح، في إطار من المسؤولية والالتزام، بعيداً عن العشوائية أو التهور، وهو ما جعل هذه العادة تحافظ على استمراريتها لسنوات طويلة.
ويحضر المنصاع في عدة مناسبات، أبرزها الأعراس، واستقبال الضيوف، والاحتفالات الدينية كعيدي الفطر والأضحى، إضافة إلى مناسبات “ختيمة الأبنية” عند الانتهاء من بناء المنازل، حيث يُدعى الناس وتُقام الولائم ويُمارس هذا الطقس كجزء من الاحتفال الجماعي.
ورغم تراجع بعض تفاصيل هذه العادة في الوقت الحاضر، إلا أنها ما تزال حاضرة في الذاكرة الشعبية كواحدة من أبرز المظاهر التراثية التي تعكس أصالة المجتمع اليافعي، وتؤكد على أهمية الحفاظ على هذا الإرث الثقافي وتوثيقه للأجيال القادمة.
متابعات الأمير