هدوء الدولة
قبل 15 عاماً، في مثل هذه الأيام من رمضان، غادرنا الأستاذ عبد العزيز عبد الغني، تاركاً سيرة أقرب إلى الصمت النبيل منها إلى ضجيج المناصب.
رجل يمرّ في الحكم بهدوء، ويخرج منه بهدوء أكبر؛ قليل الكلام، لكنه مؤثر، ويترك أثراً على من يجلس معه.
أتذكر القاهرة في منتصف التسعينيات. كان رئيساً للوزراء، وكنت صحفياً شاباً ونائباً لمدير تحرير “الجمهورية”.
الزيارة رسمية ومزدحمة باللقاءات، لكن أكثر ما بقي في الذاكرة كان مكتب الأستاذ محمد حسنين هيكل.
هناك جلس بهدوئه المعروف؛ يصغي ويتحدث بما يكفي المعنى.
كلماته قليلة، وصمته له وقع.
ثم صعيد مصر: سوهاج. نهر هادئ، وسماء صافية، ورحلة قصيرة في مركب. بعيداً عن المكاتب والبروتوكولات والأضواء؛ رجل دولة لا يحب الضجيج.
لاحقاً حاولت إجراء حوار صحفي معه، مرات لصحيفة “الثقافية”، ومرات لصحيفة “الجمهورية”.
كان يعتذر بابتسامة هادئة؛ لا يحب الحديث عن نفسه.
يرى أن العمل العام يكفي، وأن السيرة تُكتب بالفعل لا بالكلام.
آخر صورة حيّة أتذكرها كانت في مايو 2009، عشية الاحتفالات بالعيد الوطني، عندما زار الرئيس علي عبد الله صالح مبنى مؤسسة الجمهورية، وهو برفقته.
كان اللقاء قصيراً، هادئاً، ومليئاً بالوقار.
بعد يومين حضر حفل تكريم صحيفة “الجمهورية” الذي وجّه به الرئيس.
حضر الأستاذ بهدوئه المألوف؛ قليل الكلام، لكنه مؤثر، ويترك انطباعاً لا يُنسى.
رحل “الأستاذ” في العشر الأواخر من رمضان.
لم يترك قصوراً ولا ثروات، بل ترك سيرة رجل آمن بأن المسؤولية أمانة، وأن الوطن أكبر من المناصب.
وفي زمن يكثر فيه الضجيج، تبقى سيرته تذكيراً هادئاً: بعض الرجال لا يكتبون تاريخهم بالكلام، بل بالصمت.. وبنظافة الصفحة.