آخر تحديث :الأربعاء-11 مارس 2026-04:33ص
العالم من حولنا

فايننشال تايمز البريطانية : ماذا تعني الهجمات الإيرانية بالنسبة لدبي؟

الأربعاء - 11 مارس 2026 - 03:12 ص بتوقيت عدن
فايننشال تايمز البريطانية  : ماذا تعني الهجمات الإيرانية بالنسبة لدبي؟
فايننشال تايمز البريطانية

على نخلة جميرا، الجزيرة الاصطناعية الفاخرة التي أصبحت رمزًا لجرأة دبي وطموحها، أخذ السياح والمقيمون على حد سواء يراقبون الصواريخ واعتراضاتها وهي تضيء سماء الليل، في مشهد وصفه أحد الوافدين الجدد بأنه "يشبه شيئًا خارج فيلم حرب النجوم".


وقد بلغ القلق ببعض النزلاء من التهديد الذي تمثله محاولة إيران تصعيد حربها مع إسرائيل والولايات المتحدة حدًّا دفع أحد الفنادق ذات الخمس نجوم إلى تحويل قاعة الاحتفالات في الطابق الأرضي إلى مهجع مؤقت، كما خلت الشوارع خلال وقت قصير في مدينة أصبحت خلال نصف القرن الماضي مرادفًا للحيوية الاقتصادية، وذلك وسط صفارات الإنذار المتواصلة والتنبيهات المتكررة بضرورة الاحتماء.


كما ألغى مطار دبي، الذي يُعد عادةً أكثر مطارات العالم ازدحامًا، آلاف الرحلات الجوية بعد الهجمات الإيرانية الأولى، رغم أن العديد من الركاب العالقين أعيدوا إلى بلدانهم خلال الأيام الأخيرة.


ويقول أحد التنفيذيين في مجال الاتصالات، وقد صُدم بصوت دويّ حطام الصواريخ المتساقط خارج نافذة شرفته: "هذا أمر جديد بالنسبة لي. لقد سوّقت دبي نفسها دائمًا بوصفها مدينة السلام والاستقرار، لكنها تُختبر الآن اختبارًا حقيقيًا".


منذ أن أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب قبل أسبوع، أصبحت الإمارات، التي حققت لسنوات نجاحًا لافتًا كمركز تجاري عالمي، هدفًا لنحو ثلثي الذخائر التي أطلقتها إيران عبر الخليج.


واستندت علامة الإمارات، ودبي على وجه الخصوص، لسنوات طويلة إلى ادعائها بأنها جزيرة استقرار في حيّ جغرافي خطِر، وقد جذبت هذه الصورة مليارديرات التكنولوجيا والمؤثرين والسياح، بفضل عوامل متعددة، من بينها الامتيازات الضريبية المواتية، ودفء الشتاء، وموقعها الذي يلتقي فيه الشرق بالغرب، ما يجعلها نقطة وصل مريحة بين أوروبا وأفريقيا وآسيا.


لكن جاذبية دبي باتت الآن مهدَّدة، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن ما إذا كانت عقود نموها الاستثنائي قد أصبحت في خطر.


ويقول مسؤول حكومي رفيع في دبي: "إنها لحظة غير مسبوقة في تاريخنا".


لكن معاناة دبي لا تقتصر على نفسها وحدها؛ ففي مختلف دول الخليج، أعادت الحرب التي أشعلها هجوم الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران إحياء أسوأ مخاوفها، فقد جسّد هذا الصراع مخاوف تلك الدول من حرب لا تستطيع السيطرة عليها، وقد تقوّض طموحاتها الكبرى.


كما استهدفت الهجمات الإيرانية مواقع عسكرية ومنشآت للبنية التحتية والطاقة في السعودية والبحرين والكويت وعُمان، مؤكدة مخاوف قديمة من أن طهران قد تضرب جيرانها المتحالفين مع الولايات المتحدة إذا أصبح بقاء النظام نفسه مهددًا، لكن نموذج الأعمال في دبي تعرّض لضغوط خاصة، فقد تمكن نظام الدفاع متعدد الطبقات في الإمارات من اعتراض 93 في المئة من أكثر من 1100 صاروخ وطائرة مسيّرة قادمة، مما حدّ من الخسائر البشرية والأضرار، وقد عادت شوارع دبي لتزدحم نسبيًا خلال الأيام الأخيرة.


وعلى الرغم من أن الهجمات أودت بحياة ثلاثة أشخاص في الإمارات، فإن الكثيرين من السكان يرون أن استجابة الدولة الخليجية تمثل نتيجة ناجحة لسيناريو طالما كان هناك مخاوف من وقوعه، لكن الضربات المباشرة التي استهدفت بنية تحتية مدنية، مثل فندق فيرمونت في نخلة جميرا، حطمت أي تصور بأن دبي بمنأى عن تقلبات الشرق الأوسط.


كما انتشرت حول العالم صور فندق برج العرب، الذي يصف نفسه بأنه "فندق سبع نجوم"، وهو يشتعل بالنيران، بعدما تسبب حطام طائرة مسيّرة جرى اعتراضها بالقرب منه في اندلاع الحريق.


وبدأ بعض المقيمين الأجانب يفكرون في ما إذا كانوا سيبقون في البلاد أم لا، في حين غادر بعضهم بالفعل، وقد توقّف سوق العقارات فجأة، وتباطأت الصادرات إلى حد كبير، وفي حال اندلاع حرب طويلة في إيران، وهي دولة يبلغ عدد سكانها 92 مليون نسمة وتقع على بعد عشرات الأميال فقط من سواحل الإمارات، يخشى البعض من أضرار طويلة الأمد قد تلحق بسمعة دبي وبطريقة إدارتها للأعمال.


ويقول أحد المحامين المتخصصين في شؤون الشركات: "يعتمد هذا الاقتصاد على تدفق الأموال إلى الداخل، ولذلك قد تكون هذه الأحداث قاتلة. لقد انكسر هذا الوهم".


واستفادت دبي في السنوات الأخيرة، من الاضطرابات الإقليمية والأزمات العالمية، لكن هذه المرة تجد المدينة الساحلية نفسها في قلب العاصفة، فقد تدفقت أموال من دول ذات أغلبية مسلمة إلى الخليج في أعقاب هجمات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، وفتحت دبي سوقها العقارية أمام الأجانب، الأمر الذي أشعل أول طفرة عقارية حقيقية في المدينة.


تسببت الأزمة المالية العالمية عام 2009 في تقليص اقتصاد دبي المثقل بالديون، الا ان تدفّق الأموال والناس الذي أعقب الانتفاضات الشعبية العربية عام 2011 أعطى اقتصادها دفعة إضافية، وعملت الحكومة على تهيئة بيئة مريحة وآمنة جذبت جيلًا جديدًا من الوافدين بعد جائحة كورونا، من بينهم مؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي، ومستثمرو العملات المشفّرة، ومديرو صناديق التحوط.


وشكّلت الهجمات بالنسبة إلى كثير من هؤلاء الوافدين الجدد، جرس إنذار، ودرسًا في تاريخ المنطقة وجغرافيتها، حتى في الوقت الذي تسعى فيه الخدمات العامة إلى العودة إلى طبيعتها.


كما تفاقم القلق داخل مجتمع المقيمين الأجانب بسبب حملات التخويف المتداولة في مجموعات واتساب النشطة للغاية، ويتوقع أحد المستشارين أن تشدد السلطات الإماراتية إجراءاتها ضد من يشاركون مقاطع فيديو يُنظر إليها على أنها تمسّ الأمن القومي.


ويقول مستشارو الثروات إن انقسامًا ظهر بين الوافدين الجدد إلى دبي، ومن بينهم بريطانيون غادروا بلادهم بعد أن ألغت وزيرة الخزانة رايتشل ريفز نظام الضرائب الخاص بالمقيمين غير الدائمين، وبين المقيمين منذ مدة أطول، الذين تعهّد بعضهم بالبقاء في المدينة.


ويقول آشلي كروسلي، الشريك في شركة المحاماة بيكر ماكنزي، إن الوافدين الجدد من المملكة المتحدة هم الأكثر قلقًا، لكنهم لا يفكرون بعد في العودة إلى بلادهم بسبب معدلات الضرائب؛ إذ لا تفرض دبي ضريبة دخل على الأفراد أو المستثمرين أو معظم الشركات.


وتوقّع أن "ينتظر الناس ليروا ما سيحدث"، قبل أن يفكروا في ولايات قضائية أخرى مثل إيطاليا التي تقدم نظام ضريبة ثابتة.


ويقول أحد المقيمين الجدد الأثرياء للغاية، ممن حصلوا على رحلة مغادرة في وقت سابق من هذا الأسبوع، إن كثيرًا من الوافدين الأثرياء الذين وصلوا مؤخرًا يراقبون الوضع عن كثب: "نحن محظوظون لأن بإمكاننا البقاء خارج البلاد خلال الأشهر القليلة المقبلة قبل أن نقرر ما إذا كنا سنعود. هناك خيارات أخرى، مثل البرتغال أو إيطاليا".


لكن مع كل مقيم يغادر الامارة، يبقى عدد أكبر بكثير في المدينة، فما زال العمال القادمون من جنوب وجنوب شرق آسيا يعملون في مواقع البناء في مختلف أنحاء البلاد، ويراقب الموظفون من أصحاب الياقات البيضاء الذين يعملون من منازلهم تداعيات الأزمة الاقتصادية وهي تتكشف، بينما ينظمون التعليم عبر الإنترنت لأطفالهم.


ويتواصل بعض سكان دبي مع شركات الطائرات الخاصة لمغادرة الإمارة، مع تحمّل تكاليف قد تصل إلى 250 ألف دولار، يحاول آخرون السفر إلى داخلها للحفاظ على وضعهم الضريبي كمقيمين.


ويقول محامون إن صفقات عقارية كبيرة قد وُضعت بالفعل قيد التعليق، إذ يطالب بعض المشترين المحتملين لقطعة أرض مخصصة لفيلا فاخرة بتخفيضات تصل إلى 20 في المئة، مع توقعات بإعادة تفاوض إضافية نحو الانخفاض.


كما تلقّى أحدهم بالفعل أربع طلبات من مشترين آخرين لإلغاء حجوزات على مشاريع عقارية قيد الإنشاء، وسحب مستثمر مؤسسي عرضًا تبلغ قيمته مئات الملايين من الدولارات لشراء مجمع لوجستي في جبل علي، المنطقة الحرة المجاورة لأكثر موانئ المنطقة ازدحامًا، والتي تعرضت هذا الأسبوع لهجوم إيراني.


ويعتقد معظم السكان أن أسعار العقارات قد تنخفض بما يتراوح بين الربع والثلث، وقد بدأ بعض المستثمرين بالفعل في تخصيص موارد لشراء الأصول المتعثرة، إذ يستعد أحدهم لاقتناص منازل عائلية منفردة إذا انخفضت أسعارها بنسبة 35 في المئة مقارنة بتقييماتها قبل الحرب.


ويقول أحد المستشارين إن الصادرات "تكاد تكون متوقفة تمامًا"، في ظل تجنب السفن المرور عبر مضيق هرمز الذي يُعد نقطة اختناق استراتيجية، ويضيف: "حتى لو توقفت الأعمال العدائية، فسيكون هناك تراكم ضخم في الشحنات يحتاج إلى معالجة، فضلًا عن تأثير طويل الأمد في تصورات موثوقية الإمدادات"، وما زال المسؤولون والمديرون التنفيذيون يعبرون عن تفاؤلهم بشأن المستقبل الاقتصادي الطويل الأمد لدولة الإمارات.


ويقول أحد مسؤولي دبي: "نحن حلقة الوصل بين الشرق والغرب، وبين الأسواق الراسخة والجنوب العالمي، وكل من يسعى بجدية إلى النمو يعرف أن هذا هو المكان المناسب".


وقد بدأ قادة الإمارات يتجولون في مراكز التسوق لتشجيع الناس على العودة إلى الحياة الطبيعية، وفي إعلان خدمة عامة يؤديه طفل ممثل، يجري شرح أن "الانفجارات الكبيرة" في السماء هي في الواقع "صوت بقائنا آمنين"، لكن كثيرين يشعرون بالقلق من إن دول الخليج قد تجد نفسها وقد جُرَّت إلى حرب لم تكن ترغب فيها، في وقت قد تفشل فيه الولايات المتحدة في "إنهاء المهمة" أو قد تبدأ مفاوضات مع إيران تترك هذه الدول مكشوفة، وقد يفضي ذلك إلى نظام إيراني جريح لكنه مصمم على إعادة بناء ترسانته العسكرية وإعادة فرض حضوره في منطقة الخليج.


ومع تزايد خطر اندلاع صراع طويل الأمد، تتزايد المخاوف بشأن حجم التراجع الاقتصادي المتوقع.


ويحذّر وزير الطاقة القطري سعد الكعبي قائلًا: "إلى جانب قطاع الطاقة، سيتوقف أيضًا كل أشكال التجارة الأخرى بين دول مجلس التعاون الخليجي والعالم"، وأضاف: "سيكون لذلك تأثير كبير في اقتصادات دول مجلس التعاون وجميع شركائها التجاريين حول العالم".


ويتوقع رجال الأعمال في الخليج تكرار ما جرى خلال جائحة كوفيد‑19 في الإمارات وغيرها، بما في ذلك إطلاق حزم تحفيز اقتصادي تقوم على توسيع الإنفاق، وتيسير الائتمان، وخفض الرسوم.


كما توجد أدوات سياسية أخرى يمكن استخدامها، فقد سمحت حكومة الإمارات عام 2023 بالمقامرة، وهو خيار استغلته إمارة رأس الخيمة، حيث تعمل شركة وأين ريزورتس على تطوير كازينو ضخم، على الرغم من أن دبي لم توافق بعد على إنشاء أي كازينوهات.


ويقول أحد المقيمين الأجانب المخضرمين: "كانت الكازينوهات دائمًا خيارًا يُحتفظ به للأيام الصعبة… والآن المطر يهطل بغزارة".


ويرى المسؤولون والمديرون التنفيذيون أن الإمارات قادرة على تحمّل فترة ركود قصيرة مع بقاء قطاعات واسعة من الاقتصاد تحت سيطرة الدولة، وهم يراهنون على موقعها الإقليمي المهيمن في مجالات الطيران والتجارة والتمويل لتحقيق تعافٍ سريع — عندما يعود السلام.


ويقول في شنكار، الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار غيتواي بارتنرز الذي يتخذ من دبي مقرًا له، إن "الاستجابة النموذجية" للأزمة جعلته أكثر تفاؤلًا بمستقبل الإمارة، وأضاف: "قلّة من الأماكن في العالم تستطيع منافسة بنيتها التحتية وانفتاحها على المواهب ورؤوس الأموال العالمية"، وتابع قائلًا: "سينظر مؤرخو المستقبل إلى هذا الصراع باعتباره لحظة حاسمة حتى أكثر من جائحة كوفيد".