آخر تحديث :الإثنين-09 مارس 2026-10:25م
أخبار وتقارير

الحرب تضرب معيشة اليمنيين مجدداً... غالبية الأسر تقلص الوجبات اليومية

الأحد - 08 مارس 2026 - 05:13 م بتوقيت عدن
الحرب تضرب معيشة اليمنيين مجدداً... غالبية الأسر تقلص الوجبات اليومية
عدن الغد - العربي الجديد

في ظل تصاعد التوترات والحروب في المنطقة وتأثيرها بسلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، يبرز في اليمن تضارب واضح بين ما تؤكده السلطات الحكومية بشأن توفر مخزون استراتيجي من السلع، وبين مؤشرات الركود الحاد الذي يضرب الأسواق في معظم مناطق البلاد. ويعتمد اليمن بشكل شبه كامل على الواردات الغذائية، ما يجعل أي اضطراب في التجارة العالمية أو النقل البحري تهديداً مباشراً للأمن الغذائي. ورصدت "العربي الجديد" حالة ركود واضحة في الأسواق، خصوصاً في صنعاء وعدد من المدن اليمنية، رغم حلول مواسم تجارية مهمة مثل شهر رمضان. ويعكس هذا الركود تدهوراً واسعاً في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، إذ تراجعت حركة البيع والشراء بشكل ملحوظ نتيجة تآكل القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من المواطنين.

وبحسب استطلاع أجرته "العربي الجديد" شمل عيّنة من المواطنين في عدة محافظات، بينهم نحو 40% من سكان صنعاء و20% من عدن و10% من تعز، مع توزيع النسبة المتبقية على محافظات الحديدة وإب وأبين، تبين أنّ نحو 60% من الأسر اليمنية تراجعت قدرتها الشرائية إلى مستويات قريبة من الانهيار، بينما انخفضت إلى النصف لدى نحو 25% من الأسر، فيما لم تتجاوز نسبة الأسر التي لا تزال تحتفظ بقدرة شرائية مقبولة 15% فقط.

ويقول الخبير الاقتصادي عيسى أبو حليقة، مستشار تطوير الأعمال والتنمية الاقتصادية المستدامة، إنّ معظم اليمنيين يعيشون أوضاعاً اقتصادية هشة منذ اندلاع الحرب في عام 2015. ويضيف لـ"العربي الجديد" أن ما يقرب من 80% من السكان يعانون ضعفاً شديداً في القدرة الشرائية نتيجة الاعتماد على الرواتب الحكومية المحدودة وتراجع نشاط القطاع الخاص، فضلاً عن إغلاق العديد من المصانع والشركات وتسريح آلاف العاملين. ورصدت "العربي الجديد" إقدام نسبة كبيرة من اليمنيين على خفض الاستهلاك الكافي من الغذاء، فيما أعادت غالبية الأسر برمجة استهلاكها اليومي بتقنين الوجبات وتقليص حجم المتطلبات والاحتياجات المعيشية اليومية وكمياتها، باللجوء إلى الشراء المحدود للسلعة، بما يكفي لإعداد وجبة أو وجبتين في اليوم.

يقول المواطن حازم عبد الله، وهو من سكان صنعاء لـ"العربي الجديد"، إن تقليص الشراء والاستهلاك وصل إلى أدنى مستوى، فمثلاً وصل الأمر إلى شراء نصف كيلوغرام من الأرز أو السكر، بعدما كان تقليصهما قد وصل إلى ذروته من شراء نصف كيس (25 كيلوغراماً) إلى كيلوغرام، والآن نصف كيلو. من جانبه، يؤكد المواطن نجيب سالم لـ"العربي الجديد"، أن انخفاض القدرة الشرائية وصل إلى سلع مثل زيوت الطعام التي أتاحت المتاجر والبقالات بيعها بالتجزئة وبأي مبلغ لدى المستهلك، فهناك من يشتري حاجته لوجبة الغداء بنحو 200 ريال، بينما قُنِّن استهلاك الخضراوات والبقوليات، وجرى التوقف عن شراء كثير من السلع التي لا تعتبر من وجهة نظره والكثير من المواطنين ضرورية أو حاجة غذائية يومية.

وتسببت الضغوط الاقتصادية المتزايدة في اليمن بانخفاض دخل نحو أكثر من 65% من الأسر اليمنية، وتعرض حوالى 60% منها لصدمات أثرت بالدخل وإنتاج الغذاء وسط تهاوي في القدرة الشرائية بشكل كبير بحسب تقرير صادر نهاية العام الماضي 2025، عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو"، مشيراً إلى أن القدرة الشرائية للأسر اليمنية ضعفت إلى أدنى مستوى نتيجةً لانخفاض الدخل، وتقلص فرص العمل والتوظيف، ومحدودية الوصول إلى المساعدات المنتظمة. ونتيجةً لذلك، تشهد معظم المناطق في البلاد انخفاضاً حاداً في التنوع الغذائي، حيث حددت الأسر خسائر الدخل والتوظيف على أنها الصدمة الرئيسية المستمرة التي تواجهها، إذ يأتي ذلك مع اشتعال الأوضاع في المنطقة بسبب الحرب على إيران والتي ستكون تبعاتها صادمة بالنسبة إلى دول مثل اليمن الذي يعتمد كلياً على الاستيراد، ويعاني من أزمات مالية واقتصادية حادة وارتفاع في نسب الفقر والبطالة إلى مستويات عالية.

ويؤكد المحلل الاقتصادي نبيل الشرعبي لـ"العربي الجديد"، أن الحرب المشتعلة في المنطقة ستؤثر وسيتوسع تأثيرها بشكل كبير إلى سلاسل الإمداد العالمية دون استثناء، حيث برز تأثيرها مع الأيام الأولى من الحرب إثر إقدام شركات التأمين العالمية على سفن الشحن البحري إلى رفع رسوم التأمين في منطقة الصراع وكذلك الدول الداخلة في الحرب؛ كذلك فرضت رسوم مخاطر الحرب على سفن الشحن للشرق الأوسط. كذلك قامت شركات شحن عالمية بترجمة توجه شركات التأمين مباشرة، فأصدرت تحديثات تواكب الرسوم الطارئة لشركات التأمين وتجميد خطوط شحن إلى منطقة الصراع وبالذات دول الخليج، ووجهت بإيقاف نقل مواد وسلع ذات صلاحية قصيرة خشية تلفها وتحمل تكاليفها وثمنها.

ويشير الشرعبي إلى أن اليمن ليست استثناءً من هذا الانعكاس، بل قد يكون التأثير في اليمن لا يختلف عن التأثير الحاصل في الدول الواقعة في دائرة الحرب. في السياق، تمضي الأحداث في المنطقة المشتعلة بتسارع كبير ومؤثر وغير متوقع، مع امتداد هذه النيران إلى دولة مثل اليمن، بالرغم من هدوء الأوضاع فيها مقارنة بما يحصل في المنطقة، وبما كان سائداً في البلاد، ليس فقط في العامين الماضيين مع تدخل الحوثيين في مساندة الشعب الفلسطيني في غزة بقصف إسرائيل واستهداف السفن في البحر الأحمر، ورد الأخيرة بقصف تدميري تعرض له اليمن، بل منذ اندلاع الحرب والصراع في البلاد عام 2015.

وسارعت وزارة الصناعة والتجارة في الحكومة المعترف بها دولياً، بعد اندلاع الحرب في إيران واشتعال المنطقة، بالكشف عن توفر مخزون استراتيجي من القمح والدقيق يكفي لأكثر من ثلاثة أشهر، وحجم الإمدادات التي تغطي احتياجات السوق المحلي حتى ستة أشهر، بما يعزز من صمود الأمن الغذائي واستقرار الأسواق في ظل الظروف والأوضاع الراهنة في المنطقة. غير أن الخبير الاقتصادي أبو حليقة يشكك في ما إذا كان هناك مخزون استراتيجي لدى الحكومة، إذ يتوفر لدى التجار المستوردين، لكن لا يصل إلى اعتباره مخزوناً استراتيجياً، بل قد يكفي لمدة شهر فقط لا أكثر، لافتاً إلى عدم وجود إنتاج من الحبوب والقمح محلياً لتغطية الاحتياج أو تحقيق الاكتفاء الذاتي، فالقمح والدقيق يأتيان من الخارج وقد يتأثران بشكل كبير جداً نظراً لارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين.

وعزز الاجتماع الطارئ للجنة إدارة الأزمات المنعقد في 4 مارس/ آذار، من مدة المخزون التي كشفت عنها وزارة الصناعة والتجارة، وذلك بالتشديد على وجود مؤشرات مطمئنة حول أداء المالية العامة، وموقف الاحتياطات الخارجية، فضلاً عن المخزون السلعي الذي تشير التقارير الى بقائه عند مستوياته الآمنة بما يكفي لفترات تراوح بين 4 إلى 6 أشهر، وذلك بفضل التدخلات الاقتصادية والتمويلية من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، بينما حددت اللجنة أولوياتها في التعامل مع تبعات الحرب في حماية المعيشة والمخزون السلعي واستقرار سعر الصرف. فيما يرى الشرعبي أنه بالفعل قد يكون هناك مخزون يكفي للفترة التي حُدِّدَت، غير أن ذلك لا يعني ولا يرقى إلى أن نسميه مخزوناً استراتيجياً، بل مخزوناً زمنياً محدوداً ومؤقتاً، ساعد على توفيره عوامل عديدة بالنظر إلى وضعية الأسواق والسيولة المنعدمة لدى شريحة واسعة من اليمنيين وتأثيرها بتراجع قدراتهم الشرائية.

وأجمع مواطنون يمنيون من مناطق متفرقة موزعة بين سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً والحوثيين، على أن 2025، والفترة المنقضية من 2026، هي الأسوأ من كل النواحي منذ ما يقرب من عقد على بدء الحرب والنزاع في البلاد. وفيما كان الكثير ينتظر انفراجة في الأوضاع بسبب الهدوء الذي ساد البلاد خلال الفترة الماضية، تأتي الأحداث الراهنة في المنطقة والحرب المشتعلة لتنسف تطلعات اليمنيين وآمالهم وكذا ما كان قد ظهر من جهود ومساعٍ للتقريب بين الأطراف المتنازعة وجمعها على طاولة الحوار.

يقول المواطن عرفات الشرجبي، من سكان صنعاء، في هذا الخصوص لـ"العربي الجديد"، إن الحياة ضاقت كثيراً منذ العام الماضي ومطلع العام الحالي حيث انعدمت فرص العمل التي كانت تتوفر، ولو بشكل محدود، مشيراً إلى أنه يعمل بالأجر اليومي في مجال البناء، الذي شهد انخفاضاً وتدهوراً هو الأكبر هذا العام، فيما أكد المواطن سمير عامر، وهو من سكان محافظة عمران شمالي صنعاء، أن كثيراً من الأسر لجأت إلى الزراعة للعمل وتوفير ما أمكن من مصادر الغذاء.

وأفاد مواطنون في عدن وتعز ومناطق أخرى في نطاق إدارة الحكومة المعترف بها دولياً، بأن توقف صرف الرواتب التي تمثل مصدر دخل وحيداً لنسبة كبيرة من سكان هذه المناطق خلال الفترة الماضية، أثر كثيراً بمعيشتهم التي تفاقمت كثيراً بسبب ذلك، إذ تحدث مجيب جلال، وهو موظف مدني في مدينة عدن، لـ"العربي الجديد"، عن أن الراتب الحكومي برغم محدوديته هو كل ما يعتمد عليه من دخل، حيث لا يزيد هذا الراتب على 70 ألف ريال (40 دولاراً بسعر الصرف في عدن)، الذي لم يكن يُصرف طوال الأشهر الماضية، الأمر الذي دفع هذا المواطن وغيره إلى مراجعة الكثير من الاحتياجات والمستلزمات الغذائية وتقليص الاستهلاك.

وتؤكد الحكومة المعترف بها دولياً التي أُعيد تشكيلها أخيراً، والتي تستعد لإعلان أول موازنة منذ عام 2019، أنها ستولي اهتماماً بكبح التضخم واحتواء تآكل القوة الشرائية باعتباره معياراً مباشراً لقياس قدرات الحكومة، وشددت في أول اجتماع لها عقدته في عاصمتها المؤقتة عدن نهاية فبراير/ شباط، وفي سلسلة اجتماعات تلت ذلك، بما فيها اجتماع خاص باللجنة العليا للموازنات، على أولوية قصوى لانتظام صرف مرتبات موظفي الدولة، باعتباره التزاماً قانونياً، إلى جانب تحسين الخدمات الأساسية، واستقرار الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وكذا دعم استقلالية البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية، وحماية العملة الوطنية، وضمان الاستقرار في السوق.

ومع بقاء الأسعار مرتفعة بالرغم من تحسن سعر الصرف أو تآكل القدرات الشرائية لليمنيين، حددت الحكومة ضمن أولوياتها أيضاً، وكرر ذلك رئيسها شائع الزنداني، في أول خطاب له باجتماع الحكومة، العمل على أن ينعكس تحسن سعر صرف العملة الوطنية مباشرة على أسعار السلع والخدمات، وتعزيز الرقابة على الأسواق ومنع الاحتكار والتلاعب، وضمان تخفيض الأسعار بما يتوازى مع تحسن سعر الصرف، حمايةً للمستهلك وتعزيزاً لثقة المواطنين بالسياسات الاقتصادية.