في رحلة عادية على متن باص يسير من البريقة إلى الشيخ عثمان، دار حديث بسيط بين الركاب وسائق الباص، لكنه في مضمونه كان عميقاً وصادقاً، لأنه عبّر عن نبض الشارع الحقيقي… ذلك النبض الذي ينبغي الإصغاء إليه جيداً.
أحد الركاب قال مبتسماً:
"تصدقوا يا جماعة، في هذه الأيام المباركة من الشهر الفضيل، لأول مرة آكل اللبنية والبدنج باردين من الثلاجة".
ضحك بعض الركاب، لكنهم أدركوا أن خلف هذه العبارة قصة معاناة طويلة مع انقطاع الكهرباء.
وقال آخر:
"والله يا جماعة، عندما تحسنت الكهرباء واستمرت بشكل شبه دائم شعرت بارتياح كبير، صرت أشتري دجاجة أو سمكاً وأوزعه على عدة أيام، وأحفظ ما يزيد في الثلاجة لليوم التالي، زمان كنت أضطر أطبخ كل شيء في نفس اليوم خوفاً من أن يفسد، يوم آكل دجاج، ويوم آكل صانونة الهواء!".
وأضاف ثالث:
"كنت أشتري البرد يومياً، وخصصت مبلغاً شهرياً للثلج بسبب انقطاع الكهرباء، الآن وفرت هذا المبلغ بعد تحسن التيار الكهربائي".
أما السائق فقال وهو يهز رأسه:
"كنت قلقاً من شراء بطارية ولوح شمسي لإنارة منزلي، ودخلت في هكبة بالحارة وطلع رقمي الأخير! لكن عندما تحسنت الكهرباء فرحت وعدلت عن الفكرة، واشتريت بدلاً عنها تايرات للسيارة التي أعمل بها".
وتحدث راكب آخر قائلاً:
"كنت أنوي شراء خزان ماء كبير (ألف لتر) لأن الماء كان ينقطع باستمرار، لكن بعد تحسن الخدمات اكتفيت بخزان 500 لتر، واشتريت ملابس لأولادي للعيد".
كان الحديث عفوياً، بسيطاً، لكنه مليء بالمعاني:
تحسن الكهرباء لم يكن مجرد خدمة، بل غيّر نمط حياة الناس، خفف أعباءهم، وأعاد ترتيب أولوياتهم، وفتح لهم أبواباً صغيرة للفرح والادخار والاستقرار.
لكن فجأة، قاطع أحد الركاب هذا الجو قائلاً:
"اليوم لدينا وقفة احتجاجية أمام مقر الحكومة في المعاشيق ضد الوزراء الشماليين الذين تم تعيينهم".
عندها، جنّب السائق الباص جانب الطريق، والتفت إليه قائلاً:
"يا أخي، شكلك متفق مع عبده صاحب مصنع البرد الذي بور بضاعته بعد تحسن الكهرباء، أو مع حمود صاحب محلات الطاقة الشمسية والبطاريات التي تكدست! انزل من السيارة… ليس لك مكان بيننا".
تعالت أصوات الركاب مطالبين بإنزاله، معتبرين أن من يتضرر من تحسين الخدمات هم فقط أصحاب المصالح الضيقة، لا المواطن البسيط الذي يبحث عن كهرباء مستقرة وماء منتظم وراتب يكفيه بكرامة.
نزل الرجل وهو يقول:
"لن نسكت… سنتظاهر حتى نعود للحكم من أجل الوطن!".
لكن الركاب كانوا قد حسموا أمرهم بصمتهم الواعي:
الوطن بالنسبة لهم ليس شعارات ولا صراعات ولا مزايدات، بل خدمات تتحسن، وحياة تستقر، وأطفال يفرحون بثياب العيد، ورب أسرة يستطيع أن يدخر من دخله بدلاً من أن يبدده في حلول مؤقتة لأزمات دائمة.
إن نبض الشارع اليوم واضح:
المواطن يريد دولة خدمات لا دولة صراعات، يريد كهرباء مستمرة لا خطابات حماسية، يريد ماءً مستقراً لا مزايدات سياسية، يريد كرامة معيشية لا شعارات موسمية.
فالسياسة التي لا تنعكس على حياة الناس اليومية تبقى مجرد ضجيج…
أما الخدمة التي تشعر المواطن بالأمان والاستقرار فهي الوطن الحقيقي.
د. غسان ناصر عبادي