على إمتداد الجغرافيا الممتدة من كرش إلى باب المندب، وعلى شريط ساحلي يناهز 180 كيلو متر يربطها بالبحرين العربي والأحمر تتموضع الصبيحة على واحدة من أهم مناطق الجغرافيا اليمنية وأكثرها تأثيراً، بوصفها بوابة اليمن الجنوبية الغربية ورئتة النابضة، التي يتنفس منها على البحرين العربي والأحمر، وهي الشرفة التي يطل من خلالها على "باب المندب" عصب التجارة العالمية وشريان الملاحة الدولية، كما أنها من خلال موقعها المتمايز تعد بمثابة حلقة الوصل والربط بين قارتي آسيا وأفريقيا، حيث يحتدم الصراع الدولي وتتقاطع المصالح العالمية الكبرى.
محلياً ترتبط الصبيحة وتتصل بثلاث محافظات هي لحج وعدن ومحافظة تعز، من كرش إلى رأس عمران وطورالباحة والمضاربة ورأس العارة إلى "باب المندب" غرباً والوازعية شمالاً، هذا الإمتداد الجغرافي الأهم جعل من الصبيحة واحدة من أكثر المناطق حساسية وتأثيرا في الخارطة اليمنية، لا من حيث الموقع الجغرافي وحسب، بل من حيث التاريخ والدور الوطني البارز والوظيفة العامة، وبما راكمته تاريخ نضالي وبشري ظل حاضراً في كل المنعطفات التاريخية والوطنية، بينما ظل الغياب الحكومي الرسمي عنوانا دائما مقابل حضور الصبيحة هذا في مختلف المحطات التاريخية.
وعلى الرغم من هذه المكانة لموقعها الاستراتيجي الهام وإطلالتها البحرية الفريدة، وتاريخها النضالي الضارب في الجغرافيا اليمنية، وبما تمثله هذه المنطقة من ثقل جغرافي وأمني واستراتيجي وازن وبالغ الأهمية، ظلت الصبيحة لعقود طويلة خارج العصر وخارج سياق إهتمام الدولة والحكومات المتعاقبة تكابد الآم جرح وطني عميق ومنسي، كادت الحياة أن تنطفىء على جغرافيا مترامية الأطراف دخلت هي الأخرى مرحلة حرجة من التجاهل والإهمال في ظل عجز الساسة والحكومات المتعاقبة على تحديد مكامن الألم، وهي لا تزال تعيش خارج الاهتمام الحكومي وتدفع ثمن هذا الإهمال والتجاهل المزمن الذي رافقها لعقود ، دون أن يوازي حجم دورها ومكانتها الوطنية .
- تغييب كامل للخدمات وتعيش خارج حسابات الحكومات المتعاقبة
منطقة الصبيحة ورغم الأهمية الاستراتيجية لها، إلا أنها عاشت في دائرة الإهمال والتغيب والتجاهل، وتقع اليوم على قيادة الشرعية والحكومة القيام بمسؤولياتها تجاه مديريات ومناطق الصبيحة، وتنميتها خدميًا وتنمويا، بعد أن ظلت هذه المناطق مهمشة لعقود من الزمن، وبات واقعها لا يسر، ومن اللافت أن استقرار وتنمية مديريات ومناطق الصبيحة ليس مطلباً شعبياً وحسب، بل يعتبر مصلحة وطنية، فهي لا تبعد عن مركز عاصمة الشرعية سوى بضعة كيلو مترات. هذا القرب الجغرافي للصبيحة يجعل منها موقعاً استراتيجيا من الناحية الاقتصادية والتنموية والخدمية، والأهم من حيث الجانب العسكري والأمني فهي السياج الأمني الأول عن العاصمة عدن وعن مركز محافظة لحج وباقي المحافظات جنوبا وشمالاً.
ومع ذلك تقف مديريات الصبيحة لعقود وكأنها خارج حسابات الحكومات المتعاقبة، رغم ما تشكله من عمق استراتيجي يعد الأهم، فضلاً عما تمتلكة من مقومات بحرية وزراعية وارض شاسعة لم يتم استغلالها واستثمارها وتنميتها، كما لم يتم إقامة اي مشاريع زراعية أو بحرية وصناعية وخدمية .
ـ الصبيحة حصون لاتصدأ في مقارعة الإحتلال والكهنوت .. كيف تحولت من منبع للرؤساء لمنطقة خارج التغطية السياسية
على مدى أكثر من سته عقود من الزمن حضرت الصبيحة بقوة على امتداد الساحة اليمنية جنوبًا وشمالاً، وشاركت في كل الحروب والثورات، وفي لحظات إختبار كبرى لم تكن يوما هامشاً بل إنها خلال العقود الماضية دفعت الصبيحة اثمانا باهضة من دمائها دفاعاً عن هذا الوطن، لكنه يجري تغيبها في كل التسويات السياسية والمحاصصات الحزبية .
ومن سهول واوديةالصبيحة خرجت كوكبة من رواد الحركة الوطنية النضالية والتحررية مطلع خمسينيات القرن الماضي، في مقدمتهم الرئيس المناضل قحطان محمد الشعبي أول رئيس لجنوب اليمن بعد الاستقلال، ورفيق ربه الشهيد فيصل عبداللطيف الشعبي مؤسس حركة القوميين العرب فرع اليمن وزير الخارجية ورئيس الوزراء، ومعهم العشرات من المناضلين في صفوف الجبهة القومية من أبناء الصبيحة في مقدمتهم المناضل محمد علي سالم الشعبي رئيس المكتب العسكري للجبهة القومية وعضو مكتبها التنفيذي، عبدالحميد عبدالعزيز الشعبي عضو المكتب العسكري للجبهة القومية، والمناضل محمد أحمد الدقم وبخيت مليط، وهاشم محمد الشعبي ومحمد علي الصماتي، والدكتور ياسين سعيد نعمان والفريق محمود الصبيحي، والفقيد المناضل علي حسن الشعبي، والشهيد قائد محمد صلاح، والمناضل أحمد عبدالله المجيدي، ومهدي المصفري، والمناضل عبدالقوي محمد رشاد الشعبي، وعبدالقوي محمد شاهر، وعلي بن علي شكري، والمناضل علي حسن الاغبري، وفضل علي عبدالله الشعبي، وسعيد علي راوح، والمئات من المناضلين من أبناء الصبيحة لا يتسع المقام لذكرهم جميعا، التحقوا بصفوف الجبهة القومية آنذاك ، إلى جانب الآلاف من أبناء المحافظات الجنوبية، أسهموا جميعا بقيادة الزعيم قحطان الشعبي في دحر الإستعمار البريطاني من عدن وعملوا على تأسيس الدولة الجنوبية وتوحيد سلطانات الجنوب من المهرة إلى باب المندب .
كما حضرت الصبيحة شمالاً في مواجهة الإمامة بنسختيها البائدة والمتجددة، ففي ستينات القرن الماضي شارك أبناء الصبيحة في خضم ثورة الـ 26 من سبتمبر، لدحر المشروع الأمامي البغيض، وكان لأبناء الصبيحة إلى جانب الثوار في شمال الوطن دوراً بارزا، في دحر المشروع الأمامي، كما شاركت الصبيحة بكامل ثلقها وقضيضها في مواجهة المشروع الكهنوتي المستحدث بالمليشيات الحوثية الإرهابية، والذي تمثل بالانقلاب الحوثي على الشرعية وغزوه للمحافظات الجنوبية.
الصبيحة ليست وليدة اليوم ولا اللحظة، بل كان لها السبق في مقارعة الاحتلال البريطاني جنوباً والمشروع الإمامي البائد شمالاً، بقيادة الزعيم قحطان الشعبي رفقه كوكبة من أبناء الصبيحة والجنوب الذين خاضوا معارك بطولية إلى جانب رفاقهم الثوار في الشمال، ومن ثم مقاومة الإحتلال البريطاني منذُ انطلاق شرارة ثورة الـ 14 من أكتوبر 1963م .
وفي النسخة الأمامية المستحدثة قاد مقاومتها وشكل أعمدتها الأولى كلاً الفريق الركن محمود أحمد سالم الصبيحي، واللواء الركن أحمد التركي، والعميد حمدي شكري، والعميد بشير المضربي، والشهيد العميد عمر سعيد الصبيحي، والشهيد العميد طه علوان البوكري، وخلفهم العشرات من أبناء الصبيحة في مقدمتهم الشهيد سميح جرادة، والشهيد محمد صالح العطري، وبجاش الاغبري، الشيخ علي الزغير الاغبري ومحمود الكعلولي ، العميد عبدالغني الصبيحي وجلال الكعلولي، وماجد عمر سيف والمحولي، وأبو بكر الجبولي، عبدالفتاح الاربدوعزام المغربي، ومجدي مناضل، مراد جوبح وعبدالخالق الكعلولي، والشيخ صالح عبدالحميد، والشيخ البريمي والكثيرالكثير غيرهم من أبناء الصبيحة وقيادتها ممن كان لهم دور بارز في التصدي للمشروع الأمامي بنسخته "الحوثية" ودحره من الجنوب، لا تسعفنا الذاكرة لذكر جميعهم.
- إرث قحطان وفيصل الشعبي في طي التجاهل والخذلان .. لماذا تسقط عدلة التمثيل على تخوم الصبيحة
الصبيحة ليست رقعة جغرافية عابرة في جنوب الوطن بل ذاكرة وطنية ممتدة منذُ خمسينات القرن الفائت في مقاومة الإستعمار البريطاني، إلى الجبهات المشتعلة في مواجهة الإنقلاب الحوثي، وهي لازالت إلى اليوم تتموضع على جغرافيا خطوط النار وجبهات الصفوف الأولى، من كرش إلى جبال طور الباحة والمضاربة والوازعية، باذلة بذلك كل ما تملك من نَفّس ونفيسّ، في التصدي لهذا المشروع السلالي الكهنوتي البغيض، دفعت الصبيحة اثمانا باهضة فيما يظل نصيبها المستحق من الدولة لا يُذكر مقابل تضحياتها تلك .
حين نقرأ تاريخ الصبيحة نستعيد أسماء بحجم قحطان محمد الشعبي وفيصل عبداللطيف الشعبي، ومحمد علي سالم الشعبي، وعبدالحميد الشعبي، ومحمود الصبيحي وياسين سعيد نعمان وقوافل من القادة، وملثهم من الشهداء الذين لم يساوموا يوما على وطنهم .
لكن حين نُمعن النظر إلى واقع الصبيحة ماضياً وحاضراً نرى إقصاء وتهميش سياسي غير مبرر وغياب تنموي وخدمي، ومؤخرًا تم تغيبها بشكل كامل من حكومة الزنداني، والتي تشكلت من كل ألوان الطيف اليمني من صعدة إلى المهرة، في حين كان حصة الصبيحة "صفر حقيبة" هذا الإقصاء والتهميش يُعيد إلى الأذهان سؤال قديم جديد، لماذا تكافئ الصبيحة الجغرافيا والتاريخ النضالي والخزان البشري المليئ بالكوادر والكفاءات والخبرات العالية بمزيد من النكران والخذلان السياسي؟!
الصبيحة لم تطلب المستحيل، كل ما تطلبه أن تعامل كجزء أصيل من الدولة، لا كهامش قابل للتجاهل .




