أعاد اقتحام مقر صحيفة "عدن الغد" في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أمس الأول، طرح تساؤلات ملحّة حول قدرة السلطات الأمنية على حماية الحريات الصحفية، إلى جانب مسؤولياتها الأخرى.
ورغم الخطوات التي شهدتها عدن وإن كان بعضها شكليا -كما يقول البعض- كتغيير "الحزام الأمني" التابع للمجلس الانتقالي الجنوبي إلى "قوات الأمن الوطني"، فإن المدينة -في رأي متابعين- تنتظر تحوّلا جوهريا في طبيعة المنظومة الأمنية.
تفاعل رسمي
وعلى الصعيد الحكومي وتفاعله مع اقتحام مؤسسة عدن الغد الصحفية، فقد وجّه رئيس الوزراء شائع الزنداني وزارة الداخلية بفتح "تحقيق عاجل وشفاف" في حادثة الاقتحام، واصفا الاعتداء بأنه "انتهاك خطير للدستور والقوانين، ومساس مباشر بحرية الصحافة".
وبدروه، أشاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بإجراءات الحكومة والسلطة المحلية، داعيا إلى الإسراع في القبض على الجناة وضمان حماية المؤسسات الإعلامية، وتعويض صحيفة "عدن الغد" وتمكينها من استئناف عملها.
وشدد العليمي خلال لقائه برئيس تحرير الصحيفة فتحي بن لزرق على "التزام الدولة بحماية الحريات الصحفية وردع أي ممارسات تهددها"، مؤكدا أن الدولة لم تتخذ خلال السنوات الأخيرة أي إجراءات ضد الصحفيين على خلفية الرأي، وأن أي مساءلة يجب أن تمر عبر القضاء المستقل.
"تهديد لسيادة القانون"
وقد أثارت حادثة الاقتحام تفاعلا حقوقيا واسعا، إذ اعتبرتها منظمة "رايتس رادار" "انتهاكا صارخا للحريات الصحفية" و"اختبارا لكفاءة السلطة بعد انتقال مسؤولية الأمن رسميا لقوات حكومية" وطالبت المنظمة السلطات الأمنية بتحمل مسؤوليتها في حماية الصحفيين والمواطنين وضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.
أما منظمة "سام" للحقوق والحريات فرأت أن اقتحام مقر الصحيفة "يمثل استخداما للقوة خارج إطار القانون ومحاولة لإسكات الأصوات المستقلة"، وأن "التحريض الإعلامي ثم الاعتداء المادي يثيران مخاوف من اتساع دائرة العنف ضد الصحفيين".
وأكدت المنظمة أن ما جرى "ينتهك المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية"، محذّرة من أن إفلات المسلحين من العقاب "يقوّض العدالة ويهدد أسس دولة القانون".
ودعت سام السلطات إلى اتخاذ "إجراءات عاجلة لحماية المؤسسات الإعلامية ومنع أي تدخل مسلح في عملها"، مؤكدة أن استهداف الصحافة "يضيّق مساحة الحوار ويغذي الاستقطاب".
بدوره، استنكر "التكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية" الاعتداء الذي تعرّضت له مؤسسة وصحيفة وإذاعة "عدن الغد" في مدينة عدن، وما رافقه من أعمال اقتحام وتحطيم ونهب، إضافة إلى الاعتداء على العاملين فيها.
وقد سارعت نقابة الصحفيين اليمنيين إلى إدانة ما سمته الاقتحام المسلّح الذي استهدف مقر صحيفة عدن الغد في العاصمة المؤقتة عدن، وما رافقه من تدمير ونهب للمحتويات واعتداء جسدي على عدد من الصحفيين والعاملين من قبل عناصر مسلحة.
وأكدت النقابة في بيان لها أن هذا الهجوم يشكّل انتهاكا خطيرا لحرية الصحافة واعتداءً سافرا على سلامة الصحفيين وحقهم في أداء مهامهم، ويعكس حالة مقلقة من الانفلات والتعدي على الحريات العامة.
وحمّلت النقابة السلطات الأمنية مسؤولية حماية المؤسسات الإعلامية والعاملين فيها، مطالبةً بفتح تحقيق عاجل وشفاف، ومحاسبة المتورطين في هذا الاعتداء ومنع إفلاتهم من العقاب.
سلسلة انتهاكات
ومنتصف العام الماضي، أكد الصحفي سعيد ثابت، أن نقابة الصحفيين اليمنيين وثّقت بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحفيين أرقاما صادمة، خلال 10 سنوات من الحرب في اليمن عموما، شملت 2014 انتهاكا، و46 قتلا، و482 احتجازا، و244 اعتداءً جسديا، إضافة إلى أحكام إعدام وتعذيب وحجب مواقع وفصل تعسفي.
كما أوضح أن النقابة، رغم عدم امتلاكها صلاحيات تنفيذية، تعمل بالشراكة مع الاتحاد الدولي للضغط وفضح الانتهاكات، مشيرًا إلى التحديات المالية التي تواجه النقابة منذ 2013.
وسبق أن أكدت النقابة رصدها انتهاكات عدة تنوعت بين حجز الحرية والاعتداء على الصحفيين والمؤسسات الصحفية، والتهديد والتحريض على الصحفيين والمصادرة والمنع والإيقاف والمحاكمات والاستدعاء، بنسب متفاوتة سواء في مناطق سيطرة الانتقالي والحكومة أو المناطق الخاضعة لجماعة الحوثي.
قلق مستمر
أمام هذا، يظل القلق حاضرا لدى كثير من سكان عدن، وفي مقدمتهم أهالي المُخفَين قسرا ومن تعرضوا سابقا لانتهاكات، إذ يقول الناشط السياسي أحمد حميدان للجزيرة نت "لا نزال نشعر بالقلق والخوف من تفجّر الوضع الأمني.. ما حدث لصحيفة عدن الغد مؤشر خطير على بقاء عقلية الإقصاء والعنف".
ويضيف حميدان "الاعتداء على أي منبر إعلامي هو اعتداء على حق المجتمع في المعرفة، وعلى صورة عدن التي عُرفت بالتعايش والتنوع".
هذا الشعور تشاركه أم أحمد، زوجة أحد المُخفَين قسرا وعضو رابطة أمهات المختطفين، التي تقول للجزيرة نت "لم يتغير شيء سوى الأسماء. ما تزال الجهات ذاتها تتحكم في المشهد، وما تزال الانتهاكات من دون محاسبة".
وترى أن بقاء التشكيلات نفسها "يعني بقاء الغطاء الذي تستند إليه العصابات والمسلحون"، معتبرة أن عدم الكشف عن مصير المختطفين دليل على غياب الجدية في إنصاف الضحايا.
الناشط حميدان يؤكد بدوره أن "استقرار عدن لن يتحقق دون تفكيك منظومة الفوضى والنفوذ والعنف"، محذرا من أن استمرار هذا الوضع "يُبقي حرية التعبير تحت التهديد".
وفي ضوء هذه التطورات، تتزايد التساؤلات حول قدرة الدولة على بسط سيادتها وتعزيز الثقة بأجهزتها الأمنية. ويرى مراقبون أن تحقيق ذلك يتطلب خطوات أعمق، في مقدمتها إزاحة الجهات المتهمة بارتكاب الانتهاكات بما يسمح ببناء منظومة أمنية تحترم القانون وتحمي الحريات العامة دون استثناء.