حوار/ علي صالح باعوضة
يطلّ علينا في هذا اللقاء صوت إبداعي من عدن التي تنهض كل صباح من رمادها، وتلد معها كتابًا يشبهون وهج البحر، وملح الجراح.
سعيد المحثوثي، كاتب، قاص، وصحفي، مزج بين حرارة القصة القصيرة، ورحابة أدب الرحلات، هو صاحب "شتلات الليمون" و "ما يشبه البريد"، وهو مؤسس صحيفة "بوح" الثقافية، وعضو إداري في مؤسسة أمد الثقافية.
- أهلاً بك أستاذ سعيد، ضيفًا عزيزًا بيننا.. والسؤال التقليدي الذي يطرح نفسه من هو سعيد المحثوثي؟
كاتب وقاص.. مهتم بالأدب والثقافة.
- من أين تبدأ حكايتك مع الكتابة؟ ومن الذي ألقى أول بذرة في تربة موهبتك؟
بدأتْ في بيت مثقف، كانت فيه مجلة العربي الصغير من أوائل ما قرأت، والبؤساء أول رواية أتممتها في سن العاشرة.. تلك التراكمات ومعها دعم الأسرة، كانت البذرة الأولى والدافع الحقيقي لدخولي عالم الأدب.
- ماذا علّمتك "شتلات الليمون" عن القصة القصيرة وعن نفسك؟
كانت مغامرتي الأولى في النشر، خضتها بشغف وتحدٍ قبل نحو ثماني سنوات، وقد تردد صداها في أوساط القراء كثيراً وتناقل كثيرون أخبارها، فكانت تلك التجربة بداية جميلة منحتني الثقة، وعلّمتني أن القصة القصيرة وسيلتي لفهم الناس والحياة من حولي.
- في كتابك "ما يشبه البريد" كتبت عن أم درمان.. لماذا اخترت هذه المدينة بالذات؟
لأنني وجدت فيها مرآة لروحي، وممرّاً نحو الحنين العربي المنسي.
- ما الذي اكتشفته في السفر، ولم تجده في الكتب؟
النسخة الأخرى مني.
- الرواية التي تعمل عليها منذ سنوات.. لماذا أخذت منك كل هذا الوقت؟
لأنني أعيشها خطوة خطوة، وأتهجى فصولها بروح مشغولة بالتفاصيل.
- كيف ترى دور الصحافة الثقافية اليوم؟ هل ما زالت قادرة على التأثير؟
يمكنها أن تؤثر إن تخلّت عن المجاملة، واستعادت دورها كحارس للوعي بعيداً عن جوقة النفاق.
- ككاتب، وكرئيس تحرير، ما أكثر ما يفرحك، وما أكثر ما يوجعك في المشهد الثقافي؟
يفرحني أن أرى موهبة تتفتح رغم القحط، ويؤلمني أن تتوارى الأصوات النقية خلف ضجيج المجاملات.
- ما الذي يفتقده المشهد الأدبي في بلادنا اليوم، لا سيّما عدن؟
الثقة.. ثقة الكاتب في قلمه، وثقة القارئ في النص، وثقة المؤسسات في دعم المبدع، ولا تزال عدن تنتظر من يذكرها أنها كانت منارة العرب يوماً ما.
- كلمة توجهها للجهات الرسمية المسؤولة عن الثقافة في البلاد؟
إن لم تصونوها -الثقافة- ستكتب عنكم الأجيال القادمة فصولاً من الذم لا تمحى.
- ما أبرز مشكلة تواجه الأدباء الشباب في عدن؟
أنهم يكتبون في زمن لا يقرأ.
- هل تشعر أن هناك تقارب، وتضامن بين الكتّاب الشباب، أم أن الروح الجماعية غائبة؟ وهل هناك تواصل بين الأجيال الأدبية؟
عن تجربة مررت بها أقول أن ثمة محاولات، لكنها ما تزال فردية وخجولة، فالجيل القديم مشغول بمكانته، والجديد مشغول بإثبات نفسه.. لا أحد ينصت للآخر.
- هل تعتقد أن الجوائز الأدبية معيار حقيقي للموهبة؟ ولماذا؟
ليست دائماً.. المعيار الحقيقي هو ما يبقى من النص بعد أن يبرد التصفيق.
- من هم الكتاب الذين شكلوا وعيك الأدبي؟
كل من قرأت له أضاف لي شيئاً جميلاً بالتأكيد.
- هل ترى أن تصنيفات الأجناس الأدبية مجرد اتفاقات واهية نتواطأ عليها، أم أن النص، حين يخلص لذاته، يتخلق عفواً كما يندلع الأنين في الجسد دون إذن، أو تخطيط؟
النص الحقيقي يخلق نفسه، ويكسر القالب إن لزم الأمر.
- برأيك، ما مسؤولية الكاتب تجاه قارئه؟
أن يكون صادقاً.
- ما هو ثمن الصدق التام في الكتابة، عندما يكون الصدق تدميراً لكل توهمات النفس؟
الصدق في الكتابة مؤلم، وثمنه برأيي أن تخلع أقنعتك علناً وتواجه نفسك قبل أن تواجه القارئ.
- هل يمكن للنص أن يملك حرية فعلية، أم أنه مرتهن للسياق، للقارئ، ولذاكرتنا الجمعيّة؟
النص حر لحظة ولادته ثم يرتبط بخيوط لا يراها أحد، لكنّ النص العظيم هو الذي يقطع تلك الخيوط، ويقف عارياً وصامداً أمام كل سياق.
- كيف تتحول التجربة الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة في النص، دون أن تفقد حيويتها وصدقها؟
عندما تكتبها دون تكلف وبعيداً عن الأنا المتضخمة.
- برأيك، هل الأدب يخلق وعياً، أم أنه فقط يواسي الوعي الموجود؟
في اعتقادي أنه يفعل الأمرين معاً وهو في جوهره يخلق وعياً بالتأكيد، قد يربّت على كتفك لكنه في الوقت نفسه يزرع فيك قلق الأسئلة.
- ماذا يعني لك أن تكون كاتباً في ظل ما يحدث الآن؟
مغامرة.
- لو أردت أن ترسل رسالة واحدة إلى "سعيد الطفل"، ماذا تقول له؟
لا تكبر.
- هل تؤمن أن الكاتب يكتب ليُشفى، أم أن الكتابة لا تزيده إلا تورطاً؟
الكتابة تورط مقدس، لا نجاة منه إلا بمزيد من الإبداع والتمي…