آخر تحديث :الجمعة-29 أغسطس 2025-04:44م
أدب وثقافة

محاولة لاستنطاق النصوص داخل مجموعة (إحساس مُحرّم) لراجح المحوري

الجمعة - 29 أغسطس 2025 - 01:28 م بتوقيت عدن
محاولة لاستنطاق النصوص داخل مجموعة (إحساس مُحرّم) لراجح المحوري
(عدن الغد)خاص.

كتبت/ سماح جمال الكهالي


روائية وناقدة.

" فلسفة الاختلاف هي الأصل في يقظة الوعي وتجدد الأفكار وتطور الحياة ..."

حين تمنى الأستاذ: راجح المحوري أن يجد قراء كتابه (إحساس محرم) الكتاب عند مستوى الشهرة التي حققها في طبعته الأولى، كان مُصيبًا كل الصواب؛ فبعد قراءتي لإحساس محرم عدة مرات وجدت كاتبه قدّم فلسفته القصصية الخاصة، من خلال ثمانية وعشرين درة امتزجت بين كونها إحساسًا و فلسفة بديعة، لم تضاهها مجموعة قصصية سابقة في فلسفتها المتفردة وأسلوبها.

في سيمياء العنوان نضجٌ وعمقٌ وعبقٌ فوَّاحٌ شذي، فالباحث في ماهية العنوان سيجد نفسه تائهًا في عنوان يكادُ يحمل كل وظائف العناوين فهو: وصفي بامتياز، وبصري رائد يجعل بصرك ينسج الإحساس، ويؤدي الوظيفة التعيينية بتفرد، وذو دلالة ضمنية بألق، ولا تغادره أو تنقصه الوظيفة الإغرائية الجاذبة التي تجعل القارئ أسيرًا أثناء قراءته، ينتظر إكمال قراءته شوقًا، ولا يريد إنهاء القراءة شغفًا بتفاصيله.


وقفتُ - في قراءتي - على ثمانيةٍ وعشرين مرجانة مكنونة ترسم الصراع بين الهوى والمنطق، وسأرسم في قراءتي المتواضعة بعض تلك اللوحات فلستُ أستطيع إن استفضتُ في قولي رسم ألوانها وأبعادها، فبدايةً استوقفتني تلك الومضاتُ بين كلِّ إحساسٍ وآخر، ففي قوله: ( يهرع الكل لمسح رذاذٍ في وجنتي امرأة، وتُهمل أمطار قد يرسلها رجلٌ للداخل ) مكاشفة وتسليط للضوء على من يرى القذى ويترك الجذع.

وفي ومضته: ( لا يكبح تمرد النساء غير الضرب بيدٍ من حنان ) نظرة مغمورة بالعدل لرجلٍ يعدل ويزن لتستوي كفتا الميزان...

ولمن لا يعي هذا يقال: ( العدل أقل كلفة من الحرب ).

وفي ومضته: ( يتعين ركل قلبك من وقتٍ لآخر لأنك لن تتعثر به إلا على الطرقات الصحيحة ) عينٌ على غيهب الحقيقة فقلوبنا سبب تعثرنا، وهزائمنا القابعة في أعماقنا والنابعة من داخلنا.

وقد تأسرك كقارئٍ ومضته: ( أفسد تنظيمات الحياة هو شروع أحدهم في الاعتذار قبل أن تستكمل انتقامك ) ففي هذه الومضة قصة أخرى وددت لو أن كاتبها نسج منها قصة ليكمل بها ديباجه المتقن.

وفي ومضته: ( لا تقبل مقعد الاحتياط في حياة أحد، إما أن تكون محور كل الأشواط, أو تغادر اللعبة) أنت لست بحاجةٍ إلى الانتظار حتى يأتي الآخرون إليك كن أنت البداية... درسٌ يعلم الفرد أن يكون البداية والمحور والمنتهى أو يمضى في وجوم.


بعد العنوان الرئيس وجدتُ في عناوين القصص التي تضمنتها المجموعة ماهيات وأسئلةٌ فلسفيةٌ ستملؤك عند قراءتها دهشة التناقضات:

أيُغفَر للزهو! ( زهوٌ مغفور ).

كيف تكون للحرب نكهة! ( نكهة حرب ).

أستصبح على الطرق المَحَاكم! ( محاكم على الطريق ).

هل يجتمع السلاح والحب! ( الحب والسلاح ).

كيف قُدِّمت الوليمة على بوابة الموت! ( وليمة على بوابة الموت ).

متى قد يُحرَّم الإحساس! ( إحساس محرَّم ).

أيان حُصِد القحط! ( حصاد القحط ).

أتطفو مراكب ترابية! (مراكب ترابية).

أيُبرَّأ الغدر! ( غدرٌ بريء ).

كيف خلتِ النوافذ وهي مرآة الامتلاء والحياة! ( نوافذ خالية ).

من رمى بالدمعة من المتن إلى الهامش! ( هوامش دمعة ).

أيتقن عجوزٌ المراوغة! (مخاتلات عجوز).

وليست تساؤلاتي إلا غيضًا من فيضٍ في تلك العناوين.

(أسلوب الكاتب): اتخذ الكاتب أسلوبًا وصفيًا بديعًا، موسومًا بالثبات رغم التغيرات، والتسلسل المنتظم رغم خروج النهايات عن التوقعات، أسلوبًا مليئًا باتزانٍ آسر رغم الاختلالات التي بدت على أبطال القصص.

عبارة: "بوسعك أن تكون رديء الأخلاق ما دمت تملك المال، أما أن تكون عديم المال وذا أخلاق سيئة، فذلك أمرٌ لا يمكن التساهل معه..." حقيقة مفرطة توضح كيف للمال أن يبرر سياسة الكيل بمكيالين.

عبارة: " وحدهما رجليَّ طليقتان، أما أنا فمازلت أرزح خلف قضبان صدرٍ موجوع..." حين تصبح أنت سجنك الأبدي!

عبارة: "للحرب نكهة تجوب الآفاق كرائحة المطر البعيد..." صدقًا فقد تغصصنا نكهتها عواقبَ ووبالًا

سؤال بريءٌ من قائله مباغتٌ لمن سُئلهُ: " ماذا ستجلب لي من الحرب يا أبي!

هناك - بكل حسرةٍ - تموت الكلمات.


تستوقفك عبارة: نفسهِ الشبيهة بتقاليد قريته الحافلة بالعفن التليد... كيف سمحنا للعفن أن يغزونا ثم يسكننا فيصبح حافلًا

بنا وقد شابتنا الحسرة!


" الكرم من المعدمين كتاجٍ على جمجمة قرد..." لقائلها حكمة فيها هيمنت عليه بيأسٍ مؤلم!

وسأعرض في قراتي نبذة عن أجمل تلك القصص وهذا - فقط – حسب رأيي وتذوقي:

( زهوٌ مغفور )

فيها درسٌ لمن ملأه الزهو والعتو والخيلاء، فقد توقف في اللحظة الفاصلة التي أخَّرت صفعة هائلة سببها عجالة وحماقة ومجرد التباس.



( غدرٌ بريء )

حين تسيطر على مخيلتك بهجة اللقاء، وتضنيك التفاصيل، وتقف محدِّثًا نفسك متخذٍا دورك ودور المُلتقَى به، فتحدَّثُه وتتحدث عنه، تضج أصوات أمنياتك، ثم تقف أمام دائرة صفراء ذهبية اغتالت ما سبقها من خيالاتٍ ورؤى وأحلام يقظة.


( مخاتلات عجوز )

بارعةٌ تللك المراوغات! مراوغاتٌ

وتحايلاتٌ أطلقها كهلٌ - فقط - كي لا يعترف بالوهن والهزيمة، تركها أمامه تتساءل حيرةً بين مفهومها ومفهومه: هل البحر ماءٌ شاسع! أم أنه رجلٌ كريمٌ مشغول! أكمل قوله: البحر ينتبه... البحر صديقي الذي لم يخذلني.

تراه حليمة – بكل تأكيد – غير عاقلٍ يتمتم بكلامٍ لا تعقله... ربما ليدّعي حيلة إمساكه بعقله، وسلواه المزعومة في عضلة قلبه وخياله المعتوه.


( حصاد القحط )

حوارٌ عميقٌ وصراع للبقاء، صراعٌ رسم فلسفة تمثلت في حوارٍ بين التفاؤل والقنوط، ويُعرَض فيه معانٍ متباينة متناقضة لكلمة: (سجين) وتبعات تلك التسمية بين بركتها وشؤمها وشقائها؛ لأنَّ الجسد الذي جعل مُدنًا بكاملها لا تنام جزعًا على خزائنها الثقيلة انتهى الحال به نحيلًا مغادرًا ديجور السجن - فقط - بضمانة عبد الجبار.


( الحب والسلاح )

لا زلتُ - كقارئٍ – أُلحُّ أنَّ الحب والسلاح لن يجتمعا قط ... فربما لأجل الحب حُمِل السلاح، لأجل إجازةٍ لمدة شهرين، ومكآفاتٍ مجزية، تسابق الموت مع العصافير المتراصة، وسنابل الذرة، وانتصر الموت على العودة المحتومة، لا حقيقة مكفولة، ولا أخلاق مؤتمنة عند أحجار المتارس واللهب المتفجر.


( غيظ أنثى )

يقال: الأنثى عندما تحزن آخر ما قد تفكر به التفكير بعقلانية.

رأيتُ هناك أنثى ذكية، تربض بتفكيرٍ عميقٍ، وإن كانت كوردةٍ غُرست في أرضٍ بائرة، مالحةٌ تربتها، وقفت أمام متفلسفٍ أحمق يزعم التبصُّر والفطنة، صبرت كثيرًا، ثم صبَّت عليه ويلات غضبها فتُصبحَ ويلاتها حريقًا يستعر في جمجمته الخاوية، وأسياخًا تحرق رأسه.


( نكهة حرب )

يغفل الجميع - على الأغلب - عن حقيقة أدركها (حامس) وهي التي جعلته الاستثناء الأوحد، والقلة لا تعني الغلبة ولا أنك على خطأ، استثنائيته جعلته يلزم الحياد لزمنٍ من الجوع، لا أحد يستلم فلسًا من أطراف الحرب، بل تفجرت حرب الألسن العبثية، تشتعل التعبئة اللفظية، ويحتدم قتال الكلمات، ويتوالى القصف الكلامي، وتتهاوى أسطح الوعي، ثم حين يترك حامس حياده يرحل بلا عودة، وتبقى عبارة أمنيته الصافية: اطلبي منها أن ترسلني إلى هناك، لقد اشتقت لأبي كثيرًا.


( نوستالجيا )

هناك تُوجد طفولةٌ أسيرة بين ربيع اللعب وحرارة الميفى، بين الحب والشدة، بين حتمية الواقع وبراعة خيالات طفلة، تبيتُ بحزنٍ يتيم، وتصحو ببراءةٍ تُنسيها ذلك الحزن، لتنتهي البراءة عند لسعات حزامٍ أسود، وكلماتٍ ثلاث، وابتسامة لئيمة.


( مراكب ترابية )

حكاية بين الرضا والطموح، لكل منهما مغبَّاته، فغربة الطموح طويلة الطريق تتهاوى في سُبُلها أجمل سنوات العمر,ط، والشوق، والأنس، وضحكات العائلة، وشقاوة الأبناء، وقُبلات أبيهم لهم، وتمنحهم بعد هذا بيتًا شامخًا يتوسع طولًا وعرضًا، وتحويلاتٍ لا تنقطع، وانتصارًا ساحقًا في سباق الموضة... وتأخذ بعد هذا ملامح فريد وشبابه، فيبحث عما فات في: ( الدمية آخر صيحة).

حين تبحث عن مؤلَّفٍ قصصي فلسفيٍ راقٍ، تتشابك أبعاده الآسرة فتجدها تتآلف مع بعضها، وتتحرر من بعضها بعضًا في آنٍ واحد اقرأ: (إحساس محرم).