آخر تحديث :الأحد-17 مايو 2026-01:03ص
ملفات وتحقيقات

الحرب الاستعمارية الأخيرة لبريطانيا.. الجنوب من كسارة البندق إلى الاستقلال

السبت - 15 أكتوبر 2022 - 08:07 م بتوقيت عدن
الحرب الاستعمارية الأخيرة لبريطانيا.. الجنوب من كسارة البندق إلى الاستقلال
المصدر: (عدن الغد) فاديم تريشيف - ترجمة: د. أحمد سنان:

المقالة التالية منقولة عن الروسية من موقع (warspot)، يتناول فيه الكاتب قصة استقلال الجنوب بعد ثورة مجيدة ضد الاستعمار البريطاني كللت بالنصر. يعتمد كاتب المقالة على المصادر الإنجليزية حصرا، ولذلك سيجد القارئ الكثير مما لا يتوافق مع طبيعة الأحداث، أو ما يعكس بشكل خاص وجهة النظر البريطانية حول مجريات الأمور. ونترك من جانبنا للقارئ حرية استنتاج النتائج التي تتوافق مع موقفه. أما نحن فأكتفينا بوضع الأقواس (الكبيرة) حول بعض الجمل والعبارات التي يمكن أن ترشد القارئ إلى الكيفية نظر بها البريطانيون لمدينة عدن وإلى الثورة والثوار- المترجم. 

عدن في السياسة الاستعمارية البريطانية

 بدأ تاريخ الممتلكات البريطانية في جنوب شبه الجزيرة العربية في السنوات الأولى من عهد الملكة فيكتوريا. ففي عام 1839، وبهدف ضمان السيطرة على الطرق البحرية إلى الهند، استولى البريطانيون على عدن (دعنا من قصة داريا دولت) – و(كانت عشا مشهورا للقراصنة المحليين). بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، أصبحت "عدن الحدباء" التي أشاد بها كيبلينج كأهم نقطة عبور في الطريق إلى الهند وإلى الشرق. وحتى عام 1937، كانت المدينة خاضعة لإدارة الهند البريطانية.

ومن أجل تأمين الميناء الهام، تم وبشكل تدريجي إنشاء طوق حوله من عشرات المشيخات والإمارات والسلطنات، التي ارتضت بالحماية الإمبراطورية. وقد تم دمجها جميعًا في تكوينين هما: محميات عدن الغربية ومحميات عدن الشرقية. ومع ذلك، ولم تكن درجة السيطرة البريطانية على المناطق الداخلية من الجنوب عالية على الإطلاق. ولكن الاستخدام النشط لـ "القصف المحظور" في الثلاثينيات والخمسينيات من القرن الماضي جعل من الممكن إلى حد ما إبقاء القبائل المتمردة تحت السيطرة وتقييد مزاعم الإمام يحيى بهذه الأراضي.

لاحقا حوّل استقلال الهند عام 1947 عدن بالنسبة لبريطانيا إلى ("ميناء على الطريق إلى اللا مكان"). ثم حانت المرحلة الحاسمة لزوال الاستعمار -التي هيأتها حركة التحرر الوطني العالمية، المترجم-، وبدأ البريطانيون يحضرون أنفسهم لذلك. وبعد عدة سنوات من المفاوضات الصعبة، في أبريل 1962، شكلت محميات عدن الغربية دولة جديدة سميت- (اتحاد الجنوب العربي). وفي يناير 1963، انضمت إليها مستعمرة التاج عدن. وأصبح الحاكم البريطاني المفوض السامي، وشكل الحكام الإقطاعيون المجلس الأعلى وتقاسموا المناصب الوزارية، وحينها ظهر جيش وشرطة (اتحاد الجنوب العربي).

لكن الدولة التي تم إنشاؤها لم تحظ بدعم مجموعات كبيرة من السكان. وتبين أن المعارضة تشكلت في جوهرها من سكان عدن، خاصة المثقفين العدنيين، المشبعين بالأفكار القومية العربية والجمهورية وروح عبد الناصر فضلا عن العديد من زعماء القبائل.

وكان للإطاحة بالنظام الملكي في شمال اليمن في سبتمبر 1962، ووصول القوات المصرية لمساعدة الجمهوريين، الأثر في تغيير الوضع في الجنوب بشكل كبير. وقد صرح الزعيم جمال عبد الناصر في تجمع حاشد في صنعاء: "نؤمن أن الله سيعيننا على طرد البريطانيين من جميع أنحاء شبه الجزيرة العربية".

وفي مايو 1963، في مدينة تعز (اليمن الشمالي)، أنشأت مجموعة من السياسيين الجنوبيين بقيادة قحطان الشعبي الجبهة القومية لتحرير الجنوب المحتل. وانشأت معسكرات التدريب في تعز حيث قام ضباط المخابرات العسكرية المصرية بقيادة العقيد محمود عطية بتدريب مقاتلي الجبهة.

لقد "كانت القبائل تستعد للقتال في حرب التحرير في الجبال والأراضي الحدودية، وتعلم شبان المدن من أمثالي القتال مثل الفدائيين، فيفجرون ويهاجمون العدو في المدن،" هكذا يتذكر أحد قادة الجبهة القومية.

في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1963، هاجمت مفرزة قوامها مائتي مقاتل من قبيلة القطيبي موقعًا للجيش الاتحادي على طريق عدن-الضالع. وبدأت "ثورة التحرير في الجنوب". في البداية، اعتقدت السلطات البريطانية في عدن أن هذه مجرد انتفاضة قبلية أخرى. لكن في صباح يوم 10 ديسمبر/ كانون الأول، في مطار عدن، ألقى أحد أعضاء الجبهة لقومية قنبلة يدوية على كينيدي تريفاسكيس، المفوض السامي البريطاني في اتحاد الجنوب العربي، الذي كان متوجهاً إلى لندن. وبأعجوبة لم يصب بأذى. حينها قتل شخصان وأصيب 45 بجراح. وبعد منتصف اليوم، أعلن تريفسكيس حالة الطوارئ في البلاد. ومن هنا بدأت بريطاني آخر حروبها الاستعمارية.

 

كسارة البندق

تقع ردفان شرق الطريق المؤدية من عدن شمالاً إلى مدينة الضالع على الحدود اليمنية. تحرسها قمم عالية، وصخور خشنة، ووديان عميقة، فيها عاش الناس منذ الأزل في (جو من التوتر الذي لم يتوقف منذ قرون). وقد وصف قائد القوات الجوية الملكية العميد جيمس لونت السكان المحليين على نحو من التكبر بالقول: "لقد زرعوا القات فقط (نبتة محلية، مخدرات يمنية خفيفة تقليدية) في حقولهم القذرة، ولديهم تقليد في الحصول على كل شيء آخر عن طريق السرقة").

معظم مناطق ردفان، لم تطأها قدم أوروبي، وتم وضع الخريطة الوحيدة للمنطقة في عام 1901. وعادة ما كان البريطانيون يقارنون ردفان بأشهر حدود الإمبراطورية، "المنطقة القبلية" في المقاطعة الحدودية الشمالية الغربية للهند البريطانية.

تموضعت مفارز الجبهة القومية في ردفان، وقامت بقيادة علي عنتر والمجعلي بتلغيم طريق عدن-الضالع، ووجهت أسلحتها نحو مواقع القوات الاتحادية. وأمر المفوض السامي "تريفسكيس" الجيش الاتحادي وقائده لانت بـ "تطهير" ردفان بهدف إظهار قوة الدولة التي يتم إنشاؤها - اتحاد الجنوب العربي.

بدأت العملية التي أطلق عليها "كسارة البندق" في 4 يناير 1964. وكانت القاعدة التي مسرحا للعملية هي الحبيلين الواقعة على ارتفاع 600 متر (يشار إليها عادة من قبل البريطانيين باسم ثوميير) على طريق عدن-الضالع. ويقود هذا الطريق من وادي الربوة إلى عمق ردفان وإلى أخصب أراضيها وأكثرها اكتظاظًا بالسكان - وادي تيوم وحوض الذنبة.

شاركت في العملية الكتائب الثانية والثالثة والرابعة ورتل من العربات المدرعة التابعة للجيش الاتحادي - ما مجموعه حوالي ألفي جندي (عربي) بقيادة ضباط بريطانيين. تم تقديم الدعم الجوي من مقاتلات" هنتر" من السرب 206 من سلاح الجو الملكي من القاعدة الرئيسية في خورمكسر. كما دعمت طائرات الهليكوبتر العملية من Tumier: اثنان من طراز "بيلفيدر" من السرب 26 وأربع "ويسكس" من سرب الطيران البحري 815 التابع للبحرية البريطانية من حاملة الطائرات (سنتاورز) Centaurus.

لم تواجه العملية أي مقاومة فعلية، وخلال أسبوعين احتلت تلك القوات وادي الربوة ووادي تيوم وحوض الذنبة. بعد ذلك، بدأ المهندسون البريطانيون في شق طريق من تيومير إلى وادي تيوم. وشارك السكان المحليون أيضًا في العمل: (خلال النهار، قام الردفانيون ببناء الطريق، وفي الليل مارسوا العمل الثوري).

وبحلول منتصف فبراير 1964، أصبح الوضع أكثر هدوء: فقد غادر (معظم المتمردين) الممرات الجبلية من ردفان إلى الشمال. في نهاية شهر فبراير، عادت آخر كتيبة تابعة للجيش الاتحادي ورجال المدفعية إلى تومير، تاركين ردفان وراءهم. وقد وصف العميد لانت العملية بصراحة بأنها مضيعة للمال، ولم ير أي سبب للاستمرار في ترك الوحدات التابعة له هناك.

بعد رحيل القوات الاتحادية، عاد (المتمردون) على الفور إلى ردفان- مع تعزيزات وأسلحة جديدة. واستؤنفت أعمال (التخريب) على طريق عدن- الضالع على نطاق أوسع. وفي 11 أبريل، لجأت السلطات إلى إغلاق الطريق. ثم بدأت الاستعدادات لعملية عسكرية كبيرة جديدة في ردفان. كان من المفترض أن تقوم القوات بعزل (المتمردين) والقضاء عليهم، ومنعهم من المغادرة إلى الشمال. هذه العملية المسماة "كوكيد" نفذتها القوات البريطانية بشكل أساسي.

 

ردفـــــان فـــــــــــــــورس

تم تشكيل مجموعة "Radforce" لتنفيذ العملية في ردفان تحت قيادة العميد لويس هارجروفز، وتشكلت كالتالي:

- سريتان من الكتيبة الثالثة، فوج المظلات الملكي؛

- الفرقة 45كوماندوز من مشاة البحرية الملكية؛

- سرية من الكتيبة الأولى، الفوج الانجليزي الشرقي؛

- رتلان من فوج الدبابات الملكي الرابع والسابع مع عربات مصفحة من طراز "Ferret" و "Saladin"صلاح الدين ؛

-  بطارية من الفوج الثالث لمدفعية الخيالة الملكي، الذي حصل على ست بنادق L-5 جديدة عيار 105 ملم ؛

- فصيلة من الرتل الميداني الثاني عشر للمهندسين الملكيين، بالإضافة إلى قطاعات من الجيش الاتحادي - الكتيبتان الأولى والثانية وفصيلتان من سرب السيارات المدرعة.

وشاركت جميع القوات الجوية المتمركزة في خور مكسر في دعم للعملية:

-  الأسراب الثامن والثالث والأربعون مع قاذفات القنابل المقاتلة "هنتر" ؛

-  السربان 37 و 42 مع طائرات الدوريات البحرية شاكلتون (تم استخدامهما كقاذفات قنابل) ؛

 - السربان الحادي والعشرون والثامن والسبعون مع طائرات النقل "Twin Pioneer" ؛

- السرب الميداني السابع والثلاثون مع مروحيات الكشافة الخفيفة.

  - تمركزت ست طائرات هليكوبتر من طراز "Belvedere" وجناح البحث الجوي الثالث عشر التابع للجيش مع طائرات "Beaver" الخفيفة ومروحيات "Scout" الخفيفة في ثومير نفسها.

بما أنه خلال "كسارة البندق" تم الكشف عن عدم دقة خريطة1901، فقد كان لابد من ايجاد صورة جوية عاجلة لردفان. واستغرق التحضير وتركيز القوات في تومير أسبوعين. وفي اللحظة الأخيرة، وبمبادرة شخصية من وزير المستعمرات دنكان ساندز، شارك سرب ألفا من فوج SAS 22 (القوة الجوية الخاصة للقوات المسلحة البريطانية) في العملية تحت قيادة الرائد بيتر دي لا بيلييه، الملقب بـ DLB (الأحرف الأولى من اسم عائلته).

عند غروب الشمس يوم 29 أبريل 1964، هبطت طائرات الهليكوبتر الكشفية بقوة من تسعة أفراد تحت قيادة النقيب روبرت إدواردز في عمق منطقة (المتمردين). كان من المفترض أن تذهب هذه المفرزة سراً إلى كوكارد لضمان هبوط المظليين في الليلة التالية. وحمل كل فرد من أفراد الدورية حقيبة ظهر تزن 28 كيلوجرامًا. كانوا مسلحين ببنادق هجومية من طراز L1M1 وM16A1، وكان لكل منهم 120 طلقة من الذخيرة. كما كانت الدورية مزودة بمدفع رشاش خفيف من طراز برين وبندقية قنص.

ومع ذلك، في 30 أبريل نهارا، انكشف أمر الدورية SAS. واضطرت هذه القوة على خوض معركة مع (المتمردين). وبدعم من الطيران والمدفعية، تمكن مقاتلو "SAS" من التراجع عند حلول الظلام والخروج إلى Tumier في الصباح. في الوقت نفسه، قُتل قائد الدورية، الكابتن روبرت إدواردز، ومشغل الراديو نيك واربورتون، وأصيب اثنان آخران من الكوماندوز.

 

الاستيلاء على الجبال

في الليلة نفسها، من 30 أبريل إلى 1 مايو، نجح المارينز في الاستيلاء على مرتفعات وادي بوران - الطريق الشمالي في عمق ردفان. ومع ذلك، بعد فشل SAS، كان لا بد من إلغاء الانزال المظلي. وأرجأت القيادة العملية وغيرت خطة تنفيذها. لقد كان الفشل الاستخباري واضحًا.

في 4 مايو 1964، عند حلول الظلام، توغلت قوات المارينز والمظليين سيرًا على الأقدام في عمق ردفان بهدف احتلال "كوكارد". تقدمت دون مشاكل: واتضح أن الثوار تركوا مواقعهم ليلاً وتوجهوا إلى القرى للمبيت. وصلت السرية X من مشاة البحرية، تحت قيادة المتسلق المتمرس، الرائد مايك بانكس، إلى القمة من الجنوب الغربي مع أول ضوء في 5 مايو دون مواجهة الخصم.

المظليون من السرية ب، بقيادة قائد الكتيبة، المقدم أنتوني فارار هوكلي، كان من المقرر أن يصعدوا من الجنوب الشرقي. وأثناء الانتقال الليلي، تشتت السرية، وضل الجنود قبل أن يجدوا الطريق. اقتربت الطلائع الأولى من المظليين من بداية الصعود بالفعل في ضوء النهار. هنا تعرضوا على الفور لنيران مدافع رشاشة مكثفة من قرية النقيل على سفح الجبل والتحصينات الحجرية المحيطة بها.

بدأ المظليون صعودهم. في الوقت نفسه، كما أشار فارار هوكلي في تقرير رسمي، "كان تنسيق الإجراءات عند مستوى منخفض للغاية". وظهرت مجموعات صغيرة من المتمردين فجأة في مؤخرة الوحدات البريطانية، وأطلقت النيران من وراء السواتر. واستمرت المعركة حتى الساعة الثالثة عصراً حتى نقلت المروحيات السرية Z إلى قمة الجبل وبدأت في النزول باتجاه المظليين. بعد ذلك (تراجع المتمردون تاركين جثث أربعة من قتلاهم). وقتل اثنان من المظليين وأصيب اثنان آخران بجروح خطيرة. وعلى مدار الـ 36 ساعة التالية، قامت قوات المارينز والمظليين والفوج الانجليزي الشرقي، بدعم من كتيبة من القوات الاتحادية، بتأمين السيطرة على وادي تيوم وحوض الذنبة ووادي الربوة، مما أدى إلى استعادة حركة المرور على الطريق من تومير. لكن قوات (المتمردين) الرئيسية تراجعت جنوبا إلى وادي دبسان، حيث كانت سلسلة جبال البكري بمثابة دفاع جيد.

في 17 مايو، وبناء على أوامر شخصية من سكرتير المستعمرات، ساندز، استؤنف "القصف المحظور" للقرى في الجزء الجنوبي من ردفان. وعمل رجال المدفعية أيضًا بنشاط، حيث تلقوا زوجًا من المدافع الميدانية BL بحجم 5.5 بوصة: كانت تتميز بمدى مضاعف مقارنة بـ L-5 العادي، وقذائف 100 رطل جعلت من الممكن تدمير الكهوف التي كان يختبئ فيها المسلحون بشكل فعال. وعلى الرغم من أن فعالية عمليات الطيران والمدفعية فقد أثارت تساؤلات. وفي التقرير النهائي لحملة ردفان خلص إلى أن الطيارين والمدفعين قاموا بإلقاء 3.5 ألف قنبلة وإطلاق أكثر من 30 ألف قذيفة ولم يحققوا سوى "الاستهلاك الكبير للذخيرة".

وفي الوقت نفسه، كانت قوات "رادفورس" تتزايد أيضًا. وتم نقل سرية أخرى من المظليين وكتيبتي مشاة إضافيتين إلى هنا - الكتيبة الأولى من الملكيين الإسكتلنديين والكتيبة الأولى من حرس الحدود الإسكتلندي الخاص بصاحب الجلالة. مع وصول حاملة طائرات الهليكوبتر "Centaurus" إلى عدن، تم إرسال 20 مروحية "Wessex" من السرب 815 من البحرية الملكية على متنها إلى ردفان.

 

حرب بلا نهاية

بدأت المرحلة الثانية من العملية ليلة 18-19 مايو 1964، عندما تسلقت مجموعتان من المظليين سلسلة جبال البكري. وبدعم من المدفعية والطائرات، استغرق الأمر ما يقرب من أسبوع لإخراج المتمردين من نظام كامل من الكهوف والممرات تحت الأرض.

في 26 مايو، "تم نشر المظليين والسرية "X Marines" لمساعدتهم على النزول إلى وادي دبسان، ليصبحوا أول أوروبيين يدخلون هذه الأرض. وبعد معركة استمرت 4 ساعات، تراجع المتمردون. وكان آخر معقل لهم هو منحدرات أعلى قمة في ردفان - جبل الحرية". في 31 مايو، بدأت الوحدات البريطانية بالتقدم نحوها على طول مضيق وادي المسراح. وفي ليلة 10/11 يونيو، تسلقت الكتيبة الأولى، من الفوج الإنجليزي الشرقي جبل الحرية على ضوء قنابل شاكلتون المضيئة. في الخامسة والنصف صباحا رأى الجنود من قمتها أضواء عدن، على بعد 80 كيلومترا جنوبا.

ورغم استيلاء البريطانيين على المنطقة، فإن الهدوء لم يدم طويلا. في نهاية العام نفسه، واجه البريطانيون تكثيفًا جديدًا للمسلحين في ردفان. في مواقع وادي تيوم والذنبة ووادي الربوة. كان لابد من الاحتفاظ باستمرار بسرية من كتيبة المشاة وسرية من فرقة الكوماندوز 45 البحرية. تم استبدالها كل 6-8 أسابيع. أصبحت الدوريات والكمائن وهجمات القناصة وقذائف الهاون وحقول الألغام أمرا روتينًا يوميًا للبريطانيين في ردفان. فضلا عن الخسائر المنتظمة. وعلى سبيل المثال، في 20 أبريل 1967، تم نصب كمين لدورية من الكتيبة الأولى من الحرس الأيرلندي بالقرب من تومير. قُتل أربعة جنود. كما نشطت مفارز الجبهة القومية في يافع ودثينة والفضلي والضالع ولحج. لكن الجبهة الرئيسية للنضال أخذت تتحول إلى عدن.

 

ساحة المعركة - عدن

وأشار عبد الفتاح إسماعيل، الذي قاد حرب العصابات الحضرية للجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل، إلى أن "البريطانيين يمكن أن يتجاهلوا القتال في الجبال لسنوات. لكنهم لم يستطيعوا تجاهل ما كان يحدث في عدن ". الحقيقة هي أن عدن في الستينيات كانت ميناء دوليًا رئيسيًا ومركزًا لتكرير النفط.

ولدت المدينة "في فوهة بركان خامد، حيث كانت تقع في ظل جبل شمسان، حي كريتر العربي- وشكلت متاهة حقيقية من الشوارع الضيقة، تحدها الجبال من ثلاث جهات، والبحر من الرابعة. إلى الغرب، على الجانب الآخر من جبل شمسان، تقع "المدينة الأوروبية"، Steamer Point، هنا كانت الإدارة البريطانية. من ستيمر بوينت، اتجه الطريق شرقًا على طول الساحل الشمالي لشبه الجزيرة، عبر التواهي، منطقة التسوق الرئيسية في المدينة مع ميناء وحي عربي. بعد ذلك تأتي منطقة المعلا ذات السكان العرب والهنود (المحترمين). وخلف المعلا، مفترق طرق: يمينًا - إلى كريتر، وإلى اليسار - شمالًا إلى القاعدة الرئيسية لسلاح الجو الملكي ومطار خور مكسر الدولي.

إلى الشمال من خور مكسر يقع معسكر ردفان العسكري الضخم، القاعدة الرئيسية للجيش البريطاني في جنوب شبه الجزيرة العربية. من هناك، كان الطريق يمر عبر الجبال والصحراء، مروراً بقرية تيومير إلى الضالع الواقعة على الحدود مع اليمن الجمهوري. لكن قبل أن تغادر عدن، عبرت حيين عربيين آخرين: الشيخ عثمان والمنصورة.

كما شملت عدن منطقة "عدن الصغرى" على الجانب الآخر من الميناء نشأت حول مصفاة البترول البريطانية التي بنيت بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت هناك ثكنات مشاة البحرية ومقبرة عسكرية بريطانية أطلق عليها اسم "وادي الصمت". وفي منتصف الطريق بين الشيخ عثمان وعدن الصغرى، في الصحراء، كانت عاصمة اتحاد الجنوب العربي.

كان "المناخ صعبًا، استمر موسم البرد من أكتوبر إلى مايو، حيث انخفضت درجة الحرارة إلى أقل من 30 درجة مئوية. تلتها فترة حارة بدرجة حرارة تصل إلى 40 درجة. أدى القرب من المحيط إلى ارتفاع نسبة الرطوبة، التي كان من الصعب تحملها بشكل خاص خلال الموسم الحار. في أبريل- مايو، تضرب العواصف الرملية بانتظام".

عملت وحدات الجيش البريطاني (ثلاث كتائب مشاة) في عدن على مدار ستة أشهر. كانت جزءًا من لواء المشاة المنفصل الرابع والعشرين، المسمى "العدني". تمركزت فرقة الكوماندوز الخامسة والأربعون من مشاة البحرية الملكية بشكل دائم في القاعدة في عدن الصغرى. كما تمركز سربان من أفواج الفرسان هناك، لدعم المشاة إذا لزم الأمر بعرباتهم المدرعة "صلاح الدين" و"فريت".

 

حرب العصابات الحضرية

كان على الجيش البريطاني في عدن أن يواجه لأول مرة حرب العصابات الحديثة في بيئة حضرية. وكان إلقاء القنابل اليدوية على الدوريات شكلاً شائعًا من أشكال التمرد الذي يقاتل ضد المحتلين. منذ منتصف عام 1966، تم استبدال قنابل المطاحن البريطانية، التي ترك البريطانيون مخزونًا كبيرًا منها للمصريين عند مغادرتهم السويس، بالقنابل السوفييتية "ليمونكا" F-1 والصينية "النوع 42" (نسخة من السوفيتية RG -42). 

ضد البريطانيين، استخدمت بشكل نشط قذائف الهاون المصنوعة من أنابيب المياه التي يمكن التخلص منها، وهو ما قام المدربون المصريون بتعليم (المتمردين) القيام به. وفي كثير من الأحيان، استخدم المسلحون العديد من هذه الأنابيب في وقت واحد. (ولحسن الحظ، كان هذا السلاح غير دقيق للغاية). في أكبر هجوم من هذا القبيل - قصف معسكر ردفان في 5 ديسمبر/ كانون الأول 1966 - من بين 30 قذيفة انفجرت خمس فقط في المعسكر.

وتنامت حدة النضال. في عام 1964، تم تسجيل 36 حادثة أدت إلى أربع وفيات في عدن، في 1965 - 286 (35 حالة وفاة)، في 1966 - 610 (45 حالة وفاة)، وفي الأشهر العشرة الأولى من عام 1967 - 2999 حادث مواجهة مع 369 حالة وفاة.

الطريقة الأخرى التي قاتلت بها الجبهة القومية في عدن كانت استهداف المسؤولين البريطانيين وشخصيات اتحاد الجنوب. بادئ ذي بدء، شن المتمردون حملة لتدمير القسم الخاص لشرطة عدن. كتب عبد الفتاح إسماعيل فيما بعد أن هذا "كان شرطًا ضروريًا لتطوير نضالنا". في هذه المواجهات استخدمت تكتيكات متعددة أحدثت التأثير المنشود: "فقد أصيبت أنشطة المخابرات البريطانية في عدن بالشلل التام".

في صباح يوم 4 سبتمبر 1965، قتل مسلحو الجبهة القومية رئيس القسم الخاص البريطاني، هاري باري، بإطلاق النار على سيارته في أحد أزقة كريتر. وبعد خمسة أيام، توفي آرثر تشارلز، رئيس الهيئة التشريعية في عدن وعضو اللجنة العليا للخدمة المدنية. وبعد بضعة أيام، توقفت الرئيسة المستقبلية لجهازMi-5، ستيلا ريمنجتون، في عدن، والتي كانت تمر من هنا في طريقها إلى مركز عمل جديد في السفارة البريطانية في الهند. لقد شعرت بالفزع من الرعب الذي ساد بين البريطانيين المحليين، الذين أدركوا أن أيًا منهم يمكن أن يصبح الضحية التالية للجبهة القومية: "سوف يطلقون النار علينا مثل الكلاب".

 

ملامح مكافحة (الإرهاب) في ظل ظروف حرية التعبير

لقد نفذ الجنود البريطانيون بشكل دوري مداهمات بحثًا عن مخابئ الأسلحة. وتم القبض على (الإرهابيين) المشتبه بهم بشكل جماعي واقتيدوا إلى سجن المنصورة ومركز الاستجواب في رأس مربط. وسرعان ما أصبحت أساليب الاستجواب التي يستخدمها الجيش البريطاني في هذه المراكز موضع انتقادات حادة من منظمة العفو الدولية والصليب الأحمر الدولي.

اشتدت الانتقادات بعد نشر مقابلة مع عسكري بريطاني في فبراير 1966. حيث قال العريف جورج لينوكس لصحيفة "صنداي تايمز" عما حدث في المراكز: عن الضرب الوحشي للسجناء، والاستهزاء بهم، والدماء التي تُنزف من الخراطيم في الفناء. اضطرت الحكومة إلى تعيين تحقيق برلماني، لكن السلطات رفضت السماح للخبراء المستقلين بدخول مراكز الاحتجاز. وبشكل عام، كان كثرة الصحفيين أحد ملامح الوضع في عدن. كانت الصحف البريطانية مليئة بصور الجنود وهم يسحبون قاذفي القنابل من قفا العنق، وكان من بينهم في كثير من الأحيان مراهقون.

وردا على الانتقادات، أمرت القيادة البريطانية في خريف عام 1966، الجيش "بمحاولة اللحاق (بالإرهابي) والقبض عليه حيا في حالة إلقاء قنابل يدوية عليهم، وعدم إطلاق النار عليه. (نفذ الجنود الأمر بأمانة). للقيام بذلك، كان عليهم أن يشقوا طريقهم عبر الحشد الذي تجمع على الفور في مكان الحادث. كانت أسرع طريقة للقيام بذلك هي استخدام الحذاء العسكري البريطاني في الضغط على جسد السكان المحليين، مدعومًا بصرخة عالية غير مراقبة جيدا". 

لم تكن الحرب تحظ بشعبية كبيرة في إنجلترا، فقد بدد الخوف قدرة اسر المحتلين، وامتلأ منزل رئيس الوزراء في 10 داونينج ستريت بالرسائل. طالب البعض بمغادرة المدينة (المعادية على الفور):

"ولماذا تبقى قواتنا في عدن حتى كانون الثاني تُقتل وتحتضر؟ لا معنى لذلك، حيث سيتم سحبها العام المقبل على أي حال. أخرجهم على الفور ".

 

وغضب آخرون من تردد السلطات:

"أي نوع من الأوامر" أقصى درجات ضبط النفس "المجنونة هذا؟ فكم بالحري نتوسل "عزيزي السيد ناصر، أرجو أن تتوقف عن إلقاء القنابل في عدن".

ثم بدأت الوحدات البريطانية في كريتر والشيخ عثمان منذ عام 1966، بتنفيذ "عمليات سرية". فتم إنشاء "وحدات خاصة" في كتائب المشاة، كان أعضاؤها متنكرين بزي العرب ومسلحين بمدافع رشاشة من طراز براوننج أو ستيرلنج 9 ملم، يصطادون المسلحين في الأزقة الضيقة ليلاً ويحاولون العثور على مخابئ الأسلحة. كانت "الوحدة الخاصة" للكتيبة الأولى في سومرست ومشاة كورنيش الخفيفة تحت قيادة الرقيب بوب بوغان هي الأكثر شهرة في الصحافة: حتى أن "أبطال بوغان" هبطوا على صفحات كتاب هورنت الهزلي.

تصرفت" SAS" (الخدمة الخاصة المحمولة جواً التابعة للقوات المسلحة البريطانية) بنفس الطريقة في عدن. كانت تحاول تعقب ("فرق القتل التابعة للجبهة القومية") التي نفذت هجمات بارزة. وعملت القوات الخاصة في مجموعات من 2-3 أفراد، متنكرين بزي العرب. كانت المشكلة أنه فقد التنسيق بين " SAS " ووحدات المشاة النظامية. وفي عدة مناسبات، اعتقلت الدوريات البريطانية الكوماندوز، واعتقدت خطأ أنهم من السكان المحليين "المشبوهين". وفي ليلة 25 أكتوبر/ تشرين الأول 1966، في الشيخ عثمان، فتحت دورية تابعة للقوات الجوية الخاصة بقيادة عريف فيجي لبالابا النار على مجموعة من "العرب المسلحين" اتضح أنهم مقاتلون من "الوحدة الخاصة". وأصيب في هذه المواجهة جنديان من الكتيبة الملكية الأنجليكانية. بشكل عام، لم يكن لأنشطة القوات الخاصة و "الوحدات الخاصة" لكتائب المشاة أي تأثير تقريبًا على النشاط الثوري في عدن.

 وحتى ما سمي بـ “خط التنظيف" الذي أنشأه البريطانيون في بداية عام 1966، بطول 18 كيلومترًا من الأسلاك الشائكة وحقول الألغام شمال الشيخ عثمان، لإيقاف توغل المتمردين والأسلحة في عدن من بقية أراضي الاتحاد. فشل بصورة مريعة.

في 28 فبراير 1967، أظهر مقاتلو الجبهة القومية عدم فعالية المخابرات البريطانية بتفجير قنبلة في حفل الاستخبارات في المعلا. حيث قتلت امرأتان، بما في ذلك زوجة رئيس محطة Mi-5.

 

وايتهول على الرمال

إلى جانب القتال ضد المتمردين، حاولت السلطات البريطانية، برئاسة المفوض السامي ريتشارد تورنبول، الملقب بـ "ماو ماو هامر"، إنشاء دولة جديدة. وفي المؤتمر الدستوري الذي عقد في لندن في يونيو 1964، أُعلن أن اتحاد الجنوب العربي سيحصل على الاستقلال بحلول عام 1968. ومع ذلك، ستلتزم الدولة الجديدة باتفاقية دفاعية مع بريطانيا العظمى، وستبقى قاعدة عسكرية بريطانية في عدن.

لقد أدى تغيير السلطة في لندن إلى تغيير هذه الخطط. وفي 23 فبراير 1966، أكدت حكومة ويلسون العمالية أنه قبل بداية عام 1968، اتحاد الجنوب العربي على الاستقلال الكامل. لكن على عكس التصريحات السابقة حول الحفاظ على القاعدة العسكرية في عدن، فقد تقرر أن تغادر القوات البريطانية أراضيها بالكامل. وتخلت بريطانيا، التي كانت تمر بظروف مالية صعبة عن فكرة تحويل عدن إلى "غوانتانامو بريطاني".

في غضون ذلك، حاول الزعيم المصري ناصر توحيد الجبهة القومية، التي (وقع قادتها بشكل متزايد تحت تأثير الاتحاد السوفيتي)، مع مجموعة من الشخصيات المطيعة له من نشطاء نقابات عدن، بقيادة عبد الله الأصناج. في 13 يناير 1966، تم الإعلان عن تشكيل منظمة واحدة هي جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل (FLOSI). لكن محاولة عبد الناصر السيطرة الكاملة على حركة تحرير جنوب اليمن باءت بالفشل. وفي يوليو 1966، انسحبت الجبهة القومية من "FLOSI"، واعتبارًا من يناير من العام التالي، اندلع صراع بين المنظمتين، اكتسب زخمًا تدريجيًا بمرور الوقت.

 

التمرد و "قانون أرغيل" في كريتر

انتشرت شائعات بأن (البريطانيين كانوا يستعدون لعملية لنزع سلاح القطاعات غير الموثوقة من جيش وشرطة اتحاد الجنوب العربي. وانتفض بعضهم في 20 يونيو 1967. وفي معظم الحالات، كان البريطانيون قادرين على قمع التمرد بسرعة، لكن كريتر أصبحت تحت سيطرة 500 من مقاتلي الجبهة القومية والشرطة المتمردة. وخلال النهار خسر البريطانيون 22 جنديًا وجرح 27. لقد كانت أحداث كريتر بمثابة صدمة لبريطانيا بأكملها، وكانت الأمة بحاجة إلى بطل - وقد ظهر).

في الأشهر الأخيرة من الوجود البريطاني، كان من المقرر أن تسيطر على كريتر إحدى الوحدات الأسكتلندية اللامعة في الجيش البريطاني - الكتيبة الأولى من أرغيل وساذرلاند هايلاندرز المقنعة، والتي سُجلت في التاريخ على أنها "خط أحمر رفيع". كان يقودها المقدم كولن كامبل ميتشل، والذي قاتل سابقًا في إيطاليا وفلسطين وكوريا وقبرص. وخلال السنوات القليلة الماضية، عمل في مقر قيادة الجيش البريطاني، ذهب إلى عدن أكثر من مرة وتوصل إلى نتيجة مفادها أن تصرفات القوات كانت غير فعالة: "تصرفات لواء عدن كانت" ردعا "كلاسيكيا، ولم تضمن هجومًا حقيقيًا أو دفاعًا مضمونًا ".

وكرئيس للكتيبة في أوائل عام 1967، شرع ميتشل على الفور في العمل على إعداد الوحدة لعمليات حرب العصابات المضادة في المناطق الحضرية. وتم تحويل جزء من ثكنات سيتون بالقرب من بليموث إلى نموذج لكريتر. وللاقتراب قدر الإمكان من ظروف القتال، شارك "الصحفيون" و "مراقبو الأمم المتحدة" في التدريب وأنفقوا، الكثير من الجهد للبحث عن "الفظائع التي ارتكبها الجيش البريطاني" وإصلاحها. في 7 يونيو 1967، وفي خضم حرب يونيو التي هزت الشرق الأوسط، وصلت طليعة الأرغيلين، بقيادة ميتشل، إلى عدن. وسرعان ما حدث تمرد في مدينة كريتر، حيث تكبد الأرغيليون خسائرهم الأولى.

ناقش السياسيون والعسكريون ما يجب القيام به بعد ذلك. وأصر ميتشل على أن إعادة احتلال مدينة كريتر في وقت مبكر سيكون السبيل الوحيد لبقاء اتحاد الجنوب العربي على قيد الحياة. (وإذا لم يحصل الخونة على ما يستحقونه)، فيمكن وضع حد للاتحاد. نتيجة لذلك، تمكن من إقناع وكسب المفوض السامي إلى جانبه. وقد وافقت شرطة عدن على العودة إلى مواقعها قبل 20 يونيو ولكن بشرط ألا يتعرض أي من رجال الشرطة لأي عقوبة.

في ليلة 3/4 يوليو، دخل الأرغيليون، بدعم المدرعات" صلاح الدين" والسرب Aمن التنانين الملكية، مدينة كريتر. يقع مقر الكتيبة في مبنى مكون من أربعة طوابق لـ "بنك تشارترد"، والذي، وفقًا لتقاليد الفوج، حصل على اسم "قلعة ستيرلنغ". وبشكل غير رسمي، أطلق الأرغيليون على مقرهم "قلعة الرمل" - بسبب أكياس الرمل التي أغلقت نوافذ المبنى. وفي فجر يوم 4 يوليو 1967، استيقظ سكان كريتر على صوت (القرم لونغ ريفيل) "Crimean Long Reveille" الذي يؤديه عازفو القرم وعازفو الطبول الموجودون على سطح المعهد التجاري "عادت الإمبراطورية". وكانت مهمة ميتشل التالية هي إنشاء "كريتر" منقادة وسلمية".

ظهرت ثلاثون نقطة تفتيش في المنطقة، معززة بكتل خرسانية وأكياس الرمل. وأغلقت مواقع المدافع الرشاشة عند نقاط التفتيش الشوارع الرئيسية. وازداد عدد الدوريات بشكل ملحوظ. الآن تمت مرافقة سيارات اللاندروفر العسكرية مدرعات "صلاح الدين" و"فريت"، أولًا حرس دراغون، ثم فرسان الملكة. كما تم تسيير دوريات راجلة نشطة. وأمر ميتشل على وجه التحديد الدوريات الراجلة بالتحرك في وسط الشوارع ووبخ مرؤوسيه إذا رأى أنهم كانوا يلتصقون بجدران المنازل.

قال المقدم للصحفيين: "يجب أن يعرف (الارهابيون) أن المدينة لديها الآن قانون". واخترع الصحفيون بسرعة اسم Argyle Law"" لقواعد ميتشل. كيف كان يبدو في العمل؟ رسمياً، لم يكن لميتشل الحق في فرض حظر تجول. ولكنه أخبر السكان ببساطة من خلال الشرطة العربية، أنه من الساعة 7 مساءً حتى 7 صباحًا يجب ألا يخرجوا. وخلاف ذلك، سوف يطلق الأرغيليون النار دون سابق إنذار.

كما أمر ميتشل بعدم تشغيل أضواء الشوارع. وبعد أيام قليلة أمرت السلطات بإعادة الإضاءة الليلية. تم تشغيلها لفترة قصيرة - كانت يومين كافيين للأرغيليين لإطلاق النار على الفوانيس. وتم فرض حظر على مصابيح السيارات الأمامية عالية الشعاع: لأنها أعاقت رجال الدوريات. وسرعان ما تم شرح الأوامر الجديدة للمبتدئين من خلال إطلاق النار على المصابيح الأمامية. وبنفس الطريقة - تمت الرماية على عجلات السيارات - وتم أيضاً (حظر استخدام أبواق السيارات التي يحبها العرب). وأعلن ميتشل لضباطه أنه عند الهجوم عليهم، فإنهم ملزمون بمهاجمة العدو دون انتظار الأوامر من أعلى: "إذا لم يكن لديك ذخيرة، فانتقل إلى استخدام الحربة".

 وحول أسئلة الصحفيين عن تناسب استخدام القوة، أجاب المقدم بصراحة: "ليس لدي أي ندم عندما أخبر رفاقي أنه إذا ألقى أحدهم قنابل يدوية علينا أو أطلق النار علينا، فنحن مضطرون لقتله". دعم ميتشل أفعاله بالدعاية. بأمر منه، انتشرت شائعة حول "مدينة كريتر" مفادها أن الأرغيليين كانوا بدوا متوحشين من جبال اسكتلندا، ولا يمكن السيطرة عليهم تمامًا عند الغضب.

ورد المتمردون بإلقاء القنابل اليدوية وقذائف الهاون. في 14 أكتوبر، استخدموا لأول مرة تكتيك تفجير السيارات المتوقفة بجوار دوريات أرغيل. ووقع ما مجموعه 117 حادثة من هذا القبيل. فقدت أرغيل خلالها خمسة قتلى و24 جريحًا.

 

الجلاء

منذ صيف 1967، نقل البريطانيون مسؤولية الأمن في جميع أنحاء اتحاد الجنوب العربي خارج عدن إلى السلطات الفيدرالية. ومع انسحاب القوات البريطانية، سيطرت الجبهة القومية على المشيخات والإمارات والسلطنات الواحدة تلو الأخرى. طار معظم الحكام الإقطاعيين إلى أوروبا أو دول أخرى دون انتظار ظهور المسلحين. وحدث انهيار لهيكل الدولة السابق بسرعة وبأقل قدر من إراقة الدماء. وانتقلت قطاعات من الجيش والشرطة والمسؤولين في الأغلبية الساحقة إلى جانب الجبهة القومية. وبحلول أوائل سبتمبر، استولت الجبهة القومية على جميع أراضي اتحاد الجنوب العربي باستثناء بيحان والعوالق، التي كانت تسيطر عليها جبهة التحرير المناهضة لها.

في5 سبتمبر، اعترف المفوض السامي تريفليان بحقيقة أن "الاتحاد في حالة تفكك". وأعلن البريطانيون عن استعدادهم للتفاوض مع كل الجماعات باستثناء ("الإرهابيين") من الجبهة القومية. ومع ذلك، فشلت محاولات تجميع أي هياكل قابلة للحياة من بقايا اتحاد الجنوب وجبهة التحرير.

وبحلول نهاية سبتمبر، غادرت القوات البريطانية المناطق الواقعة شمال قاعدة خور مكسر الجوية. وأصبحت المنصورة والشيخ عثمان على الفور مسرحًا للصراع بين الجبهة القومية والتحرير، الذي انتهى بحلول 7 نوفمبر بانتصار الأولى. وفي نفس اليوم، أعلنت قيادة الجيش الاتحادي أنها ستنضم إلى الجبهة القومية. في صباح يوم 8 نوفمبر1967، أعلنت الجبهة القومية هدنة لمدة ثلاثة أسابيع كبادرة حسن نية. وتوقفت الهجمات على البريطانيين.

في 13 تشرين الثاني (نوفمبر)، اعترفت الحكومة البريطانية بالجبهة القومية باعتبارها "السلطة القائمة" في أراضي جنوب الجزيرة العربية ووافقت على التفاوض. وقد انعقدت المفاوضات في الفترة من 21 إلى 29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967 في جنيف. مثل بريطانيا فيها الوزير بلا حقيبة، اللورد إدوارد شاكلتو (1).

بحلول هذا الوقت، كانت عملية سحب القوات البريطانية من عدن، وهي الأكبر منذ أزمة السويس عام 1956، على قدم وساق. ولتغطية الانسحاب، تم تأسيس التشكيل التكتيكي 318 تحت قيادة الأدميرال إدوارد أشمور. شمل التشكيل القوات الرئيسية للبحرية الملكية. ووصلت سفنه من أجزاء مختلفة من الإمبراطورية السابقة. وغادرت بريطانيا في7 سبتمبر حاملة طائرات الهليكوبتر "ألبيون" سي 42، وعلى متنها فرقة كوماندوز من مشاة البحرية. وبسبب إغلاق قناة السويس، اضطرت إلى التجول في إفريقيا، ولم تصل عدن إلا في 12 أكتوبر. وغادرت حاملة الطائرات (إيجل) وحاملة طائرات الهليكوبتر الهجومية "Bulwark" سنغافورة في 23 أكتوبر ووصلت إلى المدينة في أوائل نوفمبر. وفي الوقت نفسه، وصلت حاملة الطائرات "هيرميس" من هونغ كونغ. كما اقتربت من الخليج العربي أحدث سفن الإنزال Fearless and Intrepid.

في 25 أكتوبر 1967، بدأ انسحاب القوات البريطانية، كل 20-30 دقيقة، أقلعت طائرة بريطانية جديدة من طراز C-130 Hercules من خور مكسر، لنقل ما يصل إلى 75 شخصًا و10 أطنان من البضائع إلى البحرين. وهناك، تم نقل الجنود إلى الباخرة BC-10 أو بريتانيا، التي كانت متجهة إلى ديارها.

وعلى الرغم من توقيع الهدنة، استمرت الانفجارات في زعزعة المدينة. ولأسباب سياسية، لم يكن من الممكن ترك مخزونات ضخمة من الأسلحة والذخيرة وغيرها من المعدات العسكرية، التي تم إحضارها إلى عدن في العقود الأخيرة مع تراجع الإمبراطورية، ولم يكن من الممكن سوى أخذ جزء صغير منها عن طريق السفن. فتم تدمير كل شيء آخر من قبل المهندسين الملكيين على الفور: تم تفجير الذخيرة، وأغرقت سيارات اللاند روفر والأسلحة في الخليج. وتم احراق الوثائق في اللجنة العليا.

في 7 نوفمبر، غادرت آخر طائرة "هنتر" من سلاح الجو الملكي خور مكسر متوجهة إلى الشارقة. بعد ذلك، انتقلت السيطرة على المجال الجوي لعدن إلى السطول البحري. وكان "القراصنة" وثعالب البحر "Sea Vixens" و "Needle" و "Wessexes" و "Albion" و "Bulwark" تحلق في الجو طوال اليوم، وتقوم بدوريات نشطة في المنطقة. 

وكان آخر من غادر عدن هي فرقة الكوماندوز 42 من مشاة البحرية التي كانت تؤمن محيط مطار خور مكسر. وقد ظلت في مواقعها حتى منتصف يوم 29 نوفمبر، وعندما غادرت آخر طائرة، كانت تقل المفوض السامي تريفيليان واللواء فيليب تاور، قائد القوات البرية البريطانية في الشرق الأوسط. وبعد ذلك، تم نقل مشاة البحرية على متن ألبيون بواسطة مروحيات واسب. وكان آخر من غادر المدينة قائد الكوماندوز 42، المقدم داي مورغان. وبحلول الساعة 14:55 عادت جميع الطائرات والمروحيات إلى سفنها. في 29 نوفمبر1967، الساعة 15:30، توجهت الوحدة 318 إلى الجنوب الشرقي.

في صباح يوم 30 نوفمبر/ تشرين الثاني، توجهت قيادة الجبهة القومية برئاسة قحطان الشعبي من جنيف إلى عدن. وقوبلوا في خور مكسر بالأعلام الحمراء والسوداء والبيضاء للدولة الجديدة، جمهورية جنوب اليمن الشعبية، وهي ترفرف.

 

ردود أفعال بريطانية

عند وصوله إلى دياره، قال تريفليان للصحفيين إنه، على الأقل، "لم يكن علينا أن نقاتل في طريقنا للخروج من عدن، تاركين وراءنا الفوضى، كما في فلسطين "حاول المسؤولون تمجيد "إنجازاتنا المجيدة في إنهاء الاستعمار". ورد المسؤول الإمبراطوري القديم، السير بريان كراون، بحدة (في تعبير عن الحنق مما حدث) على هذا:

"(هناك سؤال صغير حول عدن وجنوب الجزيرة العربية، سلمناه إلى عصابة مجهولة من البلطجية المتشددين الذين كانت أوراق اعتمادهم الوحيدة أنهم هزموا عصابة أخرى من البلطجية في حرب أهلية.)"

وقال العسكريون البريطانيون بصراحة: "ركضنا نجر أذيالنا". وحاول رئيس الوزراء ويلسون تقديم الانسحاب من عدن على أنه انتصار. وأعلن للبلاد، مقلدا تشرشل بعد دونكيرك: "الآن نحن وحدنا. وتعني: بريطانيا أولاً.

ولم يغفر للكولونيل ميتشل على "أنشطته الصبيانية" في كريتر. لقد تقاعد في عام 1968 وخلال السبعينيات، كان "ماد ميتش" عضوًا في البرلمان والداعم البريطاني الرئيسي لروديسيا (العنصرية) إيان سميث. وتذكر مراسل التايمز الاستماع إلى إحدى خطابات ميتشل الروديسية في عام 1976:

"ذهبت بنية السخرية، لكنني غادرت مع الكثير من التعاطف مع ميتشل شخصيًا، وليس من أجل القضية اليائسة التي يناضل من أجلها بشدة. إنه على خلاف مع العالم الذي وجد نفسه فيه ".

إجمالاً، خلال الصراع في جنوب الجزيرة العربية، في 1963-1967، قُتل حوالي 200 بريطاني (منهم 98 من القوات البريطانية النظامية) وجُرح 1500. وتقدر خسائر الجانب العربي بنحو 2000 قتيل. ويعترف المؤرخون البريطانيون المعاصرون بأن انتصار الجبهة القومية في جنوب اليمن "كان الانتصار الوحيد في تاريخ الاستعمار البريطاني الذي ألحق مثل هذه الهزيمة بالجيش البريطاني والدولة البريطانية".