بعض الوجوه تبقى عالقة في الذاكرة، لا لمناصبها أو شهرتها، بل لتفاصيل صغيرة تترك أثراً لا يمحوه الزمن. وهكذا تعود بي الذاكرة إلى الدكتور ياسر باعزب، وإلى بداياته التي عرفتها قبل أن تصبح مسيرته حاضرة في المحافل الدولية.
في عام 1999، كنت طالباً في المرحلة الإعدادية، ومن المبرزين في النتيجة النهائية. حينها كان أخي الأكبر يعمل في شركة بن لاذن، في أعمال ترميم مطار عدن الدولي. أصر أخي على أن أصحبه إليه في رحلة ترفيهية، تكريماً لي على تفوقي الدراسي.
وصلت إلى عدن، وسكنت معه في شقة كانت تضم عدداً من أبناء مودية، بعضهم يعمل، وبعضهم الآخر يواصل دراسته الجامعية. وكان من بين هؤلاء الطلاب الدكتور ياسر باعزب، الذي كان يدرس البكالوريوس آنذاك، دون أن أعرفه أو أدرك أن الأيام ستمنحني فرصة أخرى لألتقي به عن قرب.
كنت أستيقظ صباحاً قبل الجميع، وأراقب حركة الشباب في الشقة، وكان الدكتور ياسر أكثرهم لفتاً لانتباهي. لم يكن الأمر متعلقاً بكلامه أو مكانته، بل بانضباطه اللافت؛ في مواعيده، وهندامه، ودخوله وخروجه. كان يتحرك وكأن عقارب الساعة تضبط إيقاع يومه.
كان أنيق المظهر، يرتدي الكرفتة والسترة، وهي المرة الأولى التي أرى فيها شاباً بهذا الهندام. لم أكن أتصور حينها أن هذا الشاب الذي أراه كل صباح سيكون له شأن كبير في المستقبل. وفي غرفته، شاهدت لأول مرة جهاز كمبيوتر، فكانت تلك التفاصيل الصغيرة تترك في ذاكرتي انطباعاً لا يمحوه الزمن.
مرت السنوات، وتغيرت الظروف، حتى أصبحت طالباً في كلية زنجبار، قسم اللغة الإنجليزية، وهناك تجدد اللقاء بالدكتور ياسر في عام 2006م، حيث كان يسكن في معهد الأوراس، في غرفة متواضعة، يواصل فيها عمله، ويستكمل دراسته العليا في الماجستير بمجال الإعلام.
كنت أذهب إلى غرفته مع صديقي العزيز الصحفي الألمعي أحمد أدريس، لنذاكر مادة اللغة الإنجليزية سوياً. وهناك اقتربت أكثر من الإنسان الذي كنت أراقبه في عدن، واكتشفت أن وراء ذلك الانضباط والأناقة قصة كفاح طويلة، وإرادة لا تعرف الاستسلام.
كان شاباً مكافحاً، بنى نفسه بنفسه، وشق طريقه بإصرار، ولم ينتظر أن تفتح له الأبواب، بل واجه ظروف الحياة بما امتلكه من عزيمة وصبر. لم تكن الغرفة المتواضعة التي يسكنها عنواناً لضيق أحلامه، بل كانت محطة في طريق طويل نحو مستقبل أكبر.
ومع مرور الأيام، واصل الدكتور ياسر مسيرته العلمية والمهنية بخطى ثابتة، حتى نال درجة الماجستير، ثم الدكتوراه، ووصل إلى مرتبة أستاذ مشارك في مجال الإعلام. ولم تتوقف طموحاته عند حدود التحصيل الأكاديمي، بل امتدت مشاركاته العلمية إلى المحافل الدولية، ممثلاً لليمن في عدد من الندوات والفعاليات العلمية، كما نال صفة المراقب الدولي لدى مؤتمرات الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC).
لم تكن المسافة بين تلك الغرفة المتواضعة والمحافل الدولية مسافة مكان فحسب، بل كانت رحلة عمر اختصرت فيها سنوات من المثابرة والتحدي والإيمان بالقدرة على الوصول. فقد عرفته قبل أن تعرفه الألقاب، ورأيت بداياته قبل أن تتحدث عنه المنصات.
وحين أعود بذاكرتي إلى ذلك الشاب الذي عرفته في شقة متواضعة بعدن، ثم التقيته مجدداً في غرفة بسيطة بمعهد الأوراس، أدرك أن بعض النجاحات لا تأتي مصادفة، بل تصنعها سنوات من الصبر والانضباط والإصرار.
لم أكتب هذه الكلمات مدفوعاً بمصلحة، ولا سعياً وراء منفعة، وإنما أكتبها شهادة من ذاكرة عشت بعض تفاصيلها، ووفاء لحق مرحلة عرفته فيها، قبل أن تتسع دائرة حضوره وتكبر مسؤولياته.