آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-11:09م

مكيالان واشنطن: سيفٌ على العراق.. ودرعٌ لإيران

الإثنين - 02 نوفمبر 2026 - الساعة 04:10 م
محمد المسبحي


حين تتأمل دفاتر السياسة الدولية على امتداد أربعة عقود، تدرك أن التاريخ لا يُعاد بالنسخة ذاتها، وأن الموازين تخضع دائماً لمنطق المصالح، لا لمنطق العدالة المطلقة. هكذا كان العراق في صيف عام 1990؛ دولة بجيش تقليدي وخطوط مواجهة واضحة، ارتكبت خطيئة العمر بغزو الكويت، فاستدعت حلفاً دولياً جارفاً أنهى وجودها العسكري بوصفها قوة إقليمية مؤثرة في غضون أسابيع.


لكن طهران تختلف عن العراق العربي؛ فقد قرأت الدرس بعين أخرى، فلم تراهن يوماً على جيش كلاسيكي يواجه الأساطير العسكرية، بل نسجت شبكة معقدة من الحلفاء والتشكيلات، وزرعت أذرعها في عواصم القرار العربي، لتتحول إلى شبكة أخطبوطية تضرب خصومها من بعيد، وتدير صراعاتها بالوكالة، بعيداً عن أي مواجهة مباشرة تمنح واشنطن ذريعة لتوجيه ضربات قاصمة.


وكل ذلك، بطبيعة الحال، في ظل مباركة أمريكية وغربية وآسيوية. فإيران ليست بلداً عربياً حتى يتوحد العالم للقضاء على نظامها، كما حدث مع العراق.


من هنا ولدت المفارقة التي حيّرت الكثيرين واستنزفت صبر الحلفاء. فأمريكا التي سحقت ترسانة العراق التقليدية في حرب خاطفة، تقف اليوم عاجزة أو مترددة أمام إيران، لا لعجز تقني عن خوض الحرب، وانما خشية من حسابات تكلفة المواجهة الشاملة التي قد تلتهم مضيق هرمز وتشعل أسواق الطاقة العالمية.


فتراكمت العقوبات والضربات المحدودة على مدى سنوات، بينما ظل النفوذ الإيراني يتمدد على شواطئ المتوسط والخليج والبحر الأحمر، وكأن واشنطن تكتفي بإدارة الصراع لا بحسمه، محكومة بهواجسها الاستراتيجية الكبرى، من أمن إسرائيل إلى مزاحمة بكين وموسكو، في حين تدفع دول المنطقة، وفي مقدمتها السعودية، فاتورة الدم والاستقرار من أمنها وحدودها ومنشآتها الحيوية.


لقد كان هجوم أرامكو في خريف عام 2019 اختباراً مكشوفاً لمصداقية المظلة الأمريكية. حين تساقطت الصواريخ والطائرات المسيّرة على بقيق وخريص، لتهز أعمدة الاقتصاد العالمي، كان المتوقع رداً يوازي حجم الصدمة، لكن الرياض لم تجد سوى بيانات التعاطف وتعزيزات عسكرية مؤقتة، بينما منحت واشنطن نفسها فرصة الهروب إلى خيار العقوبات الاقتصادية.


هنا انجلت الحقيقة العارية بلا رتوش؛ فمصالح واشنطن وأولوياتها قد تتقاطع مع مصالح حلفائها، لكنها لا تتطابق معها. فاحتواء إيران والتفاوض معها خيار أمريكي مريح، بينما استمرار النيران الصاروخية وبقاء الميليشيات يشكلان تهديداً وجودياً لا تملك الرياض ترف التعايش معه.


والأمر ذاته يتكرر في الساحة اليمنية مع جماعة الحوثي؛ فعندما وصلت طلائع الجيش والمقاومة إلى مشارف الحديدة، تدخل العالم وأوقف التقدم العسكري باتفاق استوكهولم. فواشنطن تمتلك آلة التدمير والاستطلاع، لكنها لا تملك الإرادة أو الرؤية لإنهاء الصراع جذرياً، مكتفية بتأمين الملاحة الدولية، وتاركة اليمن وساحاته عرضة لمخاض طويل لا يرحم.


وعندما نرى هذا التباين في المواقف والحسابات، يصبح من الضروري أن تعيد الرياض والعواصم الخليجية قراءة مشهد التحالفات الإقليمية والدولية، بما يؤكد أن الاعتماد المطلق على مظلة حليف بعيد بات مغامرة غير مأمونة العواقب. فالشراكة مع الولايات المتحدة أعمق من أن تُختزل في أزمة عابرة، غير أن بناء الدول وحماية أمنها ومصالحها الاستراتيجية لا يمكن أن يرتكزا على وعود الآخرين، مهما بلغت قدراتهم


ومن هنا، تفرض هذه المعادلة على دول الخليج الانتقال من مرحلة التعويل على ضمانات الحلفاء إلى مرحلة ترسيخ مقومات القوة الذاتية، من خلال تطوير منظومات الردع، وتوطين الصناعات الدفاعية، وتنويع الشراكات الاستراتيجية، بما يعزز قدرتها على حماية أمنها ومصالحها في عالم لا تحكم تحالفاته الثوابت بقدر ما تحكمها المصالح المتغير


أما اليمن، ذلك الجرح المفتوح في خاصرة الجزيرة، فسيظل اختباراً حقيقياً لمستقبل المنطقة؛ إذ لا استقرار حقيقياً مع وجود جماعة خارج مؤسسات الدولة، تعبث بالقرار، وتجعل من الأراضي اليمنية ورقة مساومة إقليمية.

ففي عالم لا تحكمه إلا المصالح وموازين القوة، لا مكان للأوطان التي ترهن أمنها لحسابات الآخرين. فالتحالفات، مهما بلغت متانتها، تظل محكومة بتبدّل المصالح وتغيّر الحسابات. ومن لا يمتلك قوته يظل رهيناً لقوة الآخرين، ومن لا يملك قراره يجد نفسه دائماً يدفع ثمن قرارات لم يتخذها.