بقلم عيدروس المدوري
في خريطة العبث السياسي توجد دائماً عواصم افتراضية تُشبه أسطورة بلاد الواق واق حيث تنقلب الموازين وتتجسد المفارقات في أبشع صورها ففي إحدى تلك الدول التي تحترق بنيران الحرب وتشتعل جبهاتها القتالية دفاعاً عن الوجود الكياني للمجتمع في وجه الجماعة الإرهابية السلالية التي تسعى باختطافها الممنهج لابتلاع البلد بأسره يبرز مشهد سريالي مؤلم جبهات تقاوم بلا رواتب وشعب يعيش على حافة الهاوية ومسؤولون يعيشون في كوكب آخر .
يمكننا تقسيم المشهد في هذه الدولة المنكوبة إلى طبقتين متناقضتين تماماً طبقة المسؤولين من العيار الثقيل التي تنقسم بدورها إلى قسمين يعزفان على وتر واحد من الاستهتار بالمعاناة العامة :
الصف الأول (رجالات الفنادق الفاخرة) تقطعت بهم أسباب النضال الميداني فاختاروا عواصم العالم الخمس نجوم مقراً إجبارياً لإقامتهم هناك بعيداً عن أزقة الخوف ودوي المدافع يديرون المعارك عبر شاشات الهواتف الفارهة غارقين في بحار الرفاهية والنعيم غير آبهين بأن كرسياً وُجد لحماية شعب بات لقمة سائغة للمليشيات.
الصف الثاني (رحالة المؤتمرات والندوات) هؤلاء لم يكتفوا بالاستقرار الخارجي بل تحولوا إلى دبلوماسيين سياحيين تجدهم دائماً في حالة تنقل مستمر على متن الدرجات الأولى للطائرات يطوفون العالم من مؤتمر إلى ندوة ومن ورشة عمل إلى مؤتمر مانحين وهمي مدججين بميزانيات باهظة تُصرف بالعملة الصعبة تحت بند النثريات وتغطية السفر رحلات مكوكية لا تنتهي وعائدها الفعلي على المواطن المكلوم يساوي صفراً كبيراً .
وفي الكفة المقابلة يقف المواطن البسيط او الموظف عارياً إلا من رمقه الأخير إنه يخوض معركة مزدوجة :
1. رعب الوجود خوفاً داهمًا من صواريخ او من زحف المليشيات السلالية التي تضيق الخناق يوماً بعد يوم حاملة معها ثقافة الإقصاء والموت والخراب .
2. جوع الحرمان معركة مع الفقر المدقع نتيجة تاخير صرف الرواتب بحجة شح الموارد وعجز الميزانية .
وهنا تكمن المأساة الكبرى والفضيحة الأخلاقية حين تُردد الدولة أن خزائنها خاوية على عروشها ولا تقوى على دفع رواتب الموظفين بانتظام وكل شهر لازم تتاخر على الذين يعيلون ملايين الجياع بينما تُفتح خزائن العملة الصعبة بلا حدود لتمويل تذاكر السفر ونثريات الفنادق وبدلات التمثيل لوزراء ومسؤولين لا يقدّمون سوى الخطب الرنانة والتصريحات الاستهلاكية .
إن المعارك لا تُحسم فقط بقوة السلاح على الجبهات بل تُحسم قبل ذلك بعدالة القضية ونظافة الضمير وحين يتحول المسؤولون إلى تجار أزمات يعتاشون على دماء مواطنيهم ومآسيهم تصبح هزيمة الداخل أسرع بكثير من اختراقات العدو في الخارج .
إن بقاء هذه الدولة في وجه المليشيات السلالية يتطلب ثورة ضمير حقيقية تقتلع هذا العبث الإداري والمالي وتُعيد ترتيب الأولويات دعم الجبهات لا دعم بدلات السفر دفع الرواتب لا دفع نفقات الفنادق وإصلاح الكرسي الذي أثقله جلوس العابثين . فإلى متى يظل المواطن في الواق واق يدفع ثمن رفاهية الهاربين ؟