آخر تحديث :الإثنين-02 نوفمبر 2026-11:09م

الجنوب للجميع… وحضرموت الرقم الصعب، والحوار الجنوبي المخرج الوحيد

الإثنين - 02 نوفمبر 2026 - الساعة 01:13 م
جمال صالح لهطل


لم تكن أخطاء الماضي مجرد أحداث عابرة في تاريخ الجنوب بل كانت دروساً قاسية ينبغي أن نستوعبها قبل أن نعيد إنتاجها بأسماء وشعارات جديدة وما نشهده اليوم من حملات تخوين وإقصاء على خلفية اختلاف المواقف السياسية يعيد إلى الأذهان بعضاً من ممارسات العقلية العصبوية التي رافقت تجربة الجبهة القومية وأسهمت في تمزيق النسيج الجنوبي وإضعاف قدرته على التوافق والشراكة

إن الجنوب اليوم بحاجة إلى مراجعة جادة لا إلى مزيد من الخصومات وبحاجة إلى ثقافة الوعي والتسامح وقبول الآخر لا إلى تحويل الاختلاف في الرأي إلى تهمة أو الموقف السياسي إلى معيار للولاء والخيانة فكيف يمكن للجنوبيين أن يتحدثوا عن مشروع وطني جامع بينما يخون بعضهم بعضا لمجرد أن أحدهم عبر عن رأي لا يتفق مع توجهات الطرف الآخر

إن ما تعرض له الأستاذ فادي باعوم من حملات تخوين وتنمّر بسبب مواقفه وتصريحاته يفتح باباً مهماً للتساؤل عن معايير التعامل مع الاختلاف السياسي فقد لاحظنا أن حدة الهجوم والتخوين تركزت عليه في حين لم نشهد المستوى ذاته من الاستهداف تجاه شخصيات أخرى ومنها الشنفرة رغم أن جوهر بعض المواقف والتصريحات المتداولة متقارب وهذا التباين في التعامل لا يخدم التوافق بل يكشف عن ازدواجية في تقبل الآراء ويضعف الثقة بين المكونات والشخصيات الجنوبية

لسنا هنا بصدد الدفاع عن رأي سياسي أو تبني موقف بعينه وإنما الدفاع عن مبدأ أصيل من حق كل جنوبي أن يعبر عن وجهة نظره بحرية وأن يختلف مع غيره دون أن يصنف خائناً أو يحاصر بحملات التشويه فالاختلاف لا يلغي الانتماء والنقد ليس عداءً والاتفاق السياسي لا يمكن أن يفرض بالتخويف أو التنمّر

وفي هذا السياق لا بد من التأكيد أن حضرموت ليست كغيرها من المحافظات فهي الرقم الصعب في المعادلة الجنوبية بما تحمله من تاريخ عظيم وثقل جغرافي واقتصادي واجتماعي وثقافي وبما تمتلكه من خصوصية وتجربة وتطلعات تستحق الاحترام ومن الخطأ السياسي اختزال الجنوب في مكون واحد أو رؤية واحدة أو إرادة طرف بعينه فالجنوب أوسع من أي تنظيم وأكبر من أي قيادة ولا يمكن أن يكون ملكاً سياسياً أو فكرياً لأحد

إن ما يحدث في حضرموت لا يصب في مصلحة المشروع الجنوبي ولا يخدم المجلس الانتقالي إذا تحول التعامل معه إلى منطق فرض الرأي أو تجاهل خصوصية المحافظة وتطلعات أبنائها فالقوة الحقيقية لأي مشروع سياسي لا تقاس بقدرته على إخضاع الآخرين بل بقدرته على استيعابهم وبناء الثقة معهم واحترام إرادتهم وحضرموت لا يمكن التعامل معها باعتبارها مساحة تابعة بل شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل الجنوب

إن الجنوب الذي ننشده لا يبنى بالإقصاء ولا يستقر بالتخوين ولا تصان قضيته بإسكات الأصوات المختلفة بل يبنى بالشراكة والاعتراف بالتنوع السياسي والاجتماعي والثقافي وبالإيمان بأن تعدد الرؤى ليس نقطة ضعف وإنما مصدر قوة إذا أحسن إدارتها

ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى حوار جنوبي جنوبي جاد ومسؤول يكون المخرج الحقيقي من حالة الانقسام والتجاذبات حوار لا يقوم على فرض النتائج مسبقاً ولا على استدعاء الولاءات وإنما على الاعتراف المتبادل والندية والاحترام ومناقشة القضايا الخلافية بروح وطنية تضع مستقبل الجنوب فوق المصالح الحزبية والشخصية

لقد دفع الجنوب ثمناً باهظاً نتيجة الصراعات الداخلية والعقليات الإقصائية وليس من الحكمة أن نعيد إنتاج الأخطاء ذاتها ثم ننتظر نتائج مختلفة فالتاريخ لا يرحم من لا يتعلم من دروسه والشعوب لا تتقدم بعقلية التخوين وإنما بوعي يحترم الإنسان وحقه في الاختلاف

الجنوب للجميع وليس حكراً على أحد وحضرموت شريك أصيل لا يمكن تجاوز إرادته أو اختزال مكانته أما الحوار الجنوبي الجنوبي فهو الطريق الذي لا بديل عنه إذا أردنا بناء مستقبل يتسع لكل أبنائه

فالجنوب بحاجة اليوم إلى ثقافة وعي لا ثقافة تخوين وإلى جسور تواصل لا متاريس خصومة وإلى قيادات تجمع ولا تفرق والأهم أن ندرك جميعاً أن القضية التي لا تتسع لأبنائها المختلفين في الرأي لن تستطيع أن تكون مشروعاً جامعاً لمستقبلهم