لم يعد المعلم في واقعنا الراهن يواجه أزمة راتبٍ لا يسد رمق أطفاله فحسب، بل أصبح يواجه أزمة كرامةٍ وهيبةٍ وحماية. فمَن أفنى عمره في تعليم الأجيال، بات عاجزًا عن تأمين أبسط متطلبات الحياة لأسرته، وأصبح في بعض المدارس عرضةً للاعتداء والإهانة، حتى من بعض الطلاب، في مشهدٍ يكشف حجم التدهور الذي أصاب منظومة التعليم.
إنها مفارقة مؤلمة: نطالب المعلم ببناء الأجيال، بينما نعجز عن حماية كرامته، ونحمّله مسؤولية صناعة المستقبل، بينما نتركه يصارع الجوع والخوف والإهانة!
حين تُنتهك حرمة المدرسة
إن الاعتداء على الإدارات المدرسية، والتطاول على المعلمين والمعلمات، ووصول بعض الاعتداءات إلى مدارس البنات، ليست حوادث عابرة ينبغي التعامل معها بالصمت أو التجاهل؛ بل مؤشرات خطيرة تستدعي موقفًا مسؤولًا وإجراءات رادعة وفق القانون.
فالمدرسة ليست ساحةً لتصفية الحسابات، والمعلم ليس خصمًا يُستباح، والمعلمة ليست هدفًا للاعتداء. ومن يختلف مع إدارة مدرسة أو يعترض على إجراء تربوي، فهناك قنوات قانونية تحفظ الحقوق، أما العنف فلا يصنع حقًّا، والاعتداء لا يحل مشكلة.
وإذا فقدت المدرسة حرمتها، وتراجعت هيبة المعلم، فمن الذي سيحمي حق الطالب في التعليم، وحق المجتمع في مستقبلٍ أفضل؟
أين الجهات المسؤولة؟
أين وزارة التربية والتعليم من حماية منتسبيها؟ وأين النقابات التي يُفترض أن تدافع عن حقوق المعلمين؟ وأين السلطات المحلية والأجهزة الأمنية من واجبها في حماية المدارس ومحاسبة المعتدين؟
إن الصمت أمام تكرار الانتهاكات لا يعالج المشكلة، بل قد يشجع على تكرارها. كما أن البيانات والتصريحات لا تكفي ما لم تتحول إلى إجراءات ملموسة تحفظ كرامة المعلم، وتضمن سلامته، وتردع كل من يعتدي عليه.
ولا يجوز أن تظل حقوق المعلم حبيسة المطالبات، بينما تتراكم عليه الأعباء، ويتآكل راتبه، وتتراجع مكانته الاجتماعية، ويُترك وحيدًا في مواجهة الأزمات.
هل نحمل المعلم سلاحًا ليحمي نفسه؟
وهنا يبرز سؤال لا يجوز تجاهله: هل أصبح المطلوب من المعلم أن يحمل سلاحًا ناريًا أو سكينًا ليدافع عن نفسه داخل المدرسة؟!
بالطبع لا؛ فالمدرسة مؤسسة تربوية، وليست ثكنة عسكرية، والمعلم جاء ليعلّم لا ليقاتل، وليبني العقول لا ليواجه المعتدين بالسلاح.
إن مسؤولية حماية المعلم تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها، لا على المعلم نفسه. والحل يكمن في تطبيق القانون، وتعزيز الأمن المدرسي، ومحاسبة المعتدين، وترسيخ احترام المعلم في الأسرة والمدرسة والمجتمع، إلى جانب توفير بيئة تعليمية آمنة تحفظ حقوق الجميع.
كرامة المعلم قضية وطن
إن إهانة المعلم ليست إهانةً لفردٍ فحسب، بل إساءةٌ إلى التعليم كله، واعتداءٌ على مستقبل المجتمع. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، ولا تنهض بتهميش من يصنعون عقول أبنائها.
ومن الظلم أن نطالب المعلم بالإخلاص والتفاني والصبر، ثم نتركه براتبٍ لا يكفي احتياجات أسرته، وحمايةٍ لا يشعر بها، وحقوقٍ لا يجد من ينتزعها له.
إن إنصاف المعلم يبدأ براتبٍ يحفظ كرامته، وقانونٍ يحميه، ومؤسساتٍ تؤدي واجبها، ومحاسبةٍ عادلة لكل معتدٍ، دون محاباة أو استثناء.
وأخيرًا، نقول للجهات المسؤولة: إذا كان المعلم الذي يعلّم أبناءنا كيف يحترمون القانون عاجزًا عن الحصول على الحماية بموجبه، فكيف نطلب من الأجيال احترام دولةٍ لا يشعر المعلم في ظلها بالأمان؟!
حسبنا الله ونعم الوكيل.